فهرس الكتاب
التوحيد في ميزان الصالحات. إن وجهة نظرهم واضحة، فإن الذي يرتكب في عمرنا جريمة الخيانة العظمي، تعصف جريمته بكل خير فعله من قبل. ويوم يقال: فلان خان وطنه وباعه للأعداء، فلن ترى إلا الازدراء والمقت والإجماع على استحقاقه أقسى العقاب. ولو قيل: إن هذا الشقي كان بارًّا بأمه، أو كريمًا مع خدمه، أو لطيفًا مع أصدقائه؛ فإن هذه الخصال جميعًا تطوى في صمت، وتزم دونها الشفاه، ولا تغني عن حكم الموت المادي والأدبي الذي يستحقه هذا الخائن. والواقع أن سلفنا نظروا إلى الكافر نظرة العصر الحاضر إلى الخائن لأمته، ورفضوا الاعتراف بأي خير يفعله، أو الإقرار بأي ميزة له. والكافر ـ في نظرنا ـ أهل لهذا الهوان. والجاحد لوجود الله، الخائن لنعمته، المنكر للقائه، يرتكب بهذه الخلال أشنع جرائم الخيانة العظمى، وليس له ما يدفع عنه، مهما صنع (ومن يهن الله فما له من مكرم) . إلا أن هذه الحقيقة تولد عنها خطأ شائع، ألحق بالإيمان وأهله ضررًا بليغًا. فقد فهم العامة أن حسن الصلة بالله ـ وهو فضيلة بيقين ـ يجبر النقص في بقية الواجبات المفروضة. ثم تدرج هذا الفهم إلى أن هذه الواجبات يمكن أن تتلاشى، ويغني الإيمان المجرد عنها. وانضم إلى هذا الوضع أن الذين انحرفوا عن الإيمان، ونسوا الله، أتقنوا طائفة من الأعمال الإنسانية، والفنون الحيوية، وسبقوا بها سبقًا بعيدًا. وعندما قام في العالم هذا التناقض؛ اهتزت قضايا الدين، وتخاذلت صفوف ص _142