الصفحة 123 من 229

المؤمنين، ونجمت في أرجاء الدنيا فتن عاصفة. والأمر بحاجة إلى أولي الألباب يتداركونه بصدق الفهم، ولطف العلاج. وعلينا معشر المؤمنين أن نصلح شأننا قبل أن نطالب غيرنا بتغيير نفسه وفكره، إن الإيمان أعظم الفضائل في هذا الوجود، وهو عنصر غال، ما دخل في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه. بيد أن الإيمان الذي يستحق هذه النعوت له نواح عديدة؛ فهو صلة بالله قائمة على الخشوع والإخبات، وهو صلة بالنفس قائمة على التأديب والضبط، وهو صلة بالمجتمع قائمة على العدل والرحمة، وهو صلة بالكون قائمة على السيادة والارتفاق. ذلكم هو الإيمان الجدير بالإعظام وحين المآب، وهو إيمان غلال منتصر لا يثبت الإلحاد أمامه في معركة، ولا يقاس به في مفاضلة. إنما يزري بالإيمان أن يكون علاقة مفتعلة برب العالمين، لا تبعث على كمال ولا تصون عن نقص، تدارى هوانها بصور العبادات المفروضة، ولا تحقق في صاحبها ولا فيما حوله خلقًا عظيمًا، أو سلوكًا ناضرًا. ومثل هذا الإيمان الصوري ـ وما أشيعه بين الناس ـ لا يرفع رأسًا ولا يكسب نصرًا. وهل انتفخ الإلحاد، وتحركت وساوسه إلا في ميدان لقي فيه هذا الإيمان الزائف، وهل رفع رايته وفرض شارته إلا بين مؤمنين من هذا الطراز المهين؟ إننا نرفض رفضًا باتًّا أن تعيش الخليقة بغير دين يصلح بالها، ويزكي أحوالها، ونرفض كذلك أن تعيش الخليقة بدين تأوي إليه الخرافة، وتهزم فيه الخصائص الإنسانية العليا، وتتأخر في ظله الحياة، وتذبل ملكات الابتكار والإبداع والتجمل. ويجب أن ننصف الإسلام، فنعلم أنه دين أعلى قدر الإنسان، ورفع شأن الحياة، لا بعبادتها والتفاني فيها كما يفعل الجهال، بل بضبط رسالة الإنسان فيها وحسن إفادته ص _143

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت