الصفحة 126 من 229

وقد فند القرآن الكريم هذه المزاعم، ورسم طريق النجاة الحقيقي، وهر مزج من الإيمان الحي، والإحسان في العمل، والإخلاص لله (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين * بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . وبعض الوعاظ قصار النظر قد يقعون على آثار دينية محدودة المعنى والمجال، فيسيئون فهمها وتطبيقها، ويتجاهلون بها- جملة- الكتاب والسنة، بل طبيعة الإيمان نفسه. تلك الطبيعة التي تخلق من الموات حياة، ومن الفوضى نظامًا. خذ مثلًا حديث البطاقة الذي رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ من أن رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن الله تعالى سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلاًّ، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتذكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول: لا يارب . فيقول تعالى: بلى، إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فقال: فإنك لا تظلم. فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء) . هذا حديث مثير الدلالة، وهو لو أخذ على ظاهر يضع عن الناس شتى التكاليف الإلهية، ويبطل قوله تعالى: (فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين * ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون) . وعندي أن هذا الحديث ـ إن استقام سنده ـ إنما يصح في شخص مشرك، قضى حياته في الفساد، ثم آمن قبل أن يحين أجله بقليل فلم يستطع بعد إسلامه أن يبقى مدة يصلح فيها ما مضى، والحديث بهذا ينوه بما لخاتمة الإيمان من قيمة، وما لتوحيد الله من منزلة . ص _14 ص

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت