فهرس الكتاب
ولن تزال هذه الفتن تسبر أغوار الإيمان، ومدى صلابته، ومدى استعداد صاحبه للنعيم أو للجحيم، أو لهما معًا، حتى يرجع الإنسان من حيث بدأ، إلى الله. (الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين * أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ) . ومصير المرء لا يحدد بمعصية واحدة ولا طاعة واحدة. فالأجل طويل والتكاليف متجددة، والأمر أعقد من أن نصدر بصدده حكمًا عامًّا. وفي الحديث:"تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تعود القلوب على قلبين: قلب أسود مربادا كالكوز مجخيا (مكبوبًا) لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه. وقلب أبيض لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض". وهذا الحديث يبين: أن المعاصي منازل ومزالق، يسلم بعضها إلى بعض، وأن الإيمان يتأثر بما يعرض للقلب من أحوال. فهناك قلوب أقفرت منه تمامًا- بإدمان المعاصي واتباع الفتن. وهناك قلوب بين طريقها إلى البوار لما تقفر بعد ، وتوشك أن تضل. وهناك قلوب بين طريق الخير، وطريق الشر، تتأرجح ناحية اليمين أو الشمال. والحديث يشبه عرض الفتن على القلوب شيئًا فشيئًا، كعرض عيدان الحصير، على الخيوط التي تنتظمها شيئًا فشيئًا. ص _170