فهرس الكتاب
ويظهر من هذا الخلق عادة للإرادة ـ وليس مجرد الإرادة ـ وأن الإرادة تغلب عالم من قوى النفس على غيره .. انتهى باختصار. فالإصرار على الكبائرـ في ضوء هذه الحقائق النفسية المقررة ـ هو نتيجة لمقدمات طويلة، وأطوار يتولد بعضها من بعض في نظام مرتب دقيق. فإذا علمنا أن التدنس بخطيئة عقب ميل مفاجئ، أو رغبة جامحة يوقع الإيمان في مأزق خطير، ويصيبه بجرح عميق، ما لم يندمل هذا الجرح بتوبة. وسمعنا قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن". فكيف بإيمان ترادفت عليه هذه الجراحات الدامية، من آثار الذنوب الفاجرة؟! كيف تكون حال هذا الإيمان، إذا اقترن به الميل إلى الجريمة، ثم ارتقى هذا الميل إلى رغبة، فإرادة، فعزيمة صادقة، فخلق معتاد، فإصرار بالغ!! هيهات هيهات أن يكون له بقاء إلا في أوهام المجادلين والعابثين بعلم الكلام، على أن للإصرار على الكبائر طبيعة يجب أن تعرف. فهو لا يمد سحابة الشر حتى تغطي وجه الإيمان الجميل فحسب، بل يرسب بسوءاته في النفس، فيحول بينها وبين فعل أي خير، وتقديم أي بر . فليس المصر رجلًا من النوع الذي قال القرآن فيه: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) كلا ، فمعنى الإصرار على الشر أن ينابيع الخير جنت تمامًا في الضمير، فلن يرشح بخير قط. ومن ثم استقر الأمر في علم"الأخلاق"على أن الاتجاه المائع الذي تتأرجح فيه النفس لا يسمى خلقًا. ويقول الأستاذ"محمد يوسف موسى": ص _178