فهرس الكتاب
"لا يصح أن نقيم وزنًا للرأي القائل: بأن الخلق أمر نسبي، بمعنى أنه يحكم على المرء بالميل الذي يغلب عليه. فمن غلب عليه حب الإعطاء، وأعطى كثيرًا ولم يبخل إلا قليلًا؛ كان كريمًا. وكذلك الصدق والكذب وسائر الفضائل والرذائل. لا يصح أن نقيم وزنًا لهذا الرأي، ذلك أنه مما لابد لملاحظته في الخلق: الرسوخ، والثبات لحالة نفسية معينة، حتى تعطي ثمرتها من الأعمال باستمرار. ويؤيد هذا ما ذكره"ماكيزي"في كتابه"الأخلاق":"إنه لابد لتكوين خلق من ثبات عالم من العوالم ـ يعني المشاعر النفسية ـ، أما مجرد باعث خير، أو غرض نبيل في حياة الإنسان، فلا يكفي لجعله فاضلًا"وتطبيقًا لهذه القاعدة الخلقية في محيط الإيمان، يجعلنا نجزم بأن الإيمان الكامل يقتضي العمل الصالح وجوبًا، وينقص الإيمان كلما نقص العمل. فإذا لم نجد إلا شرًّا محضًا؛ جزمنا بأن ظل الإيمان قد تقلص. ولذلك قلنا: إن الإصرار ـ بمعناه الشامل ـ لا يتم في نفس مؤمنة أبدًا. وإذا أحصينا النصوص الواردة، والتفاسير الصحيحة لها، وجدنا أن الشرع الشريف، يهتم بالبواعث المقارنة للعمل اهتمامًا شديدًا، ويبني الحكم على الإيمان والجزاء، بعد التأكد من الحالات النفسية، التي لا ينفك عنها عمل ، والتي ينقطع العمل أو يتكرر لارتباطه بها. قال ابن قتيبة شرحًا لقوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) . يجوز أن يقال عصى آدم، ولا يجوز أن يقال عاص؛ لأنه إنما يقال لمن اعتاد فعل المعصية. ص _179"