الصفحة 162 من 229

وقد جاء هذا التهديد بعد أمر عام لنساء المؤمنين بالاحتشام التام في ملابسهن، مما يدل على أن المقصود بالذين في قلوبهم مرض هم الشبان المتسكعون في الطرق المتتبعون للعورات. وتحفظًا من هؤلاء أنزل الله الآية السابقة: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) والأمراض النفسية تتفاوت خفة وحدة، ويتفاوت معها ما ينشأ عنها من مخالفة للشرع والقانون، وشذوذ عن العرف والتقاليد الفاضلة. على أن المجرم مهما كان مريض النفس فلا يمكن إخلاؤه من المسؤولية الجنائية وتركه طليقًا دون أية مؤاخذة. والإسلام ينظر إلى هذه الأحوال المرضية نظرتين مختلفتين. فهو يضع الحدود والعقوبات التي لابد منها لصيانة المجتمع، وتدعيم أركانه، وتقرير فضائله، والمحافظة على مثله العليا، والمغالاة بقيمتها وقمع من يستهين بها. ومن ثم فهو يجلد، ويرجم، ويقطع ويقتل. ولكنه ـ إلى جانب هذه النظرة الصارمة ـ يرسل نظرة عطف إلى المجرم نفسه على حساب أنه مريض. فهو يحتاط في الحكم عليه ويجعل القاضي أن يخطئ في العفو خيرًا من أن يخطئ في العقوبة، ويأمر بالدعاء له، لا الدعاء عليه. وقد حدث أن جيء بسكير إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليؤدب على سكره، فقال أحد الجالسين: لعنة الله عليك، ما أكثر ما يجاء بك!. فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله. وفي رواية أخرى: لا تقولوا هذا، ولكن قولوا: اللهم ارحمه، اللهم تب عليه. وهذه النظرة الرحيمة هي التي أوصت بالستر على المخطئ، وإعطائه الفرصة التي ص _185

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت