فهرس الكتاب
يصلح بها نفسه، والتشفع له قبل أن يصل الأمر إلى القضاء، عساه يرجع عن غيه ويبرأ من علته. وأولى الأمراض النفسية ظفرًا بالرحمة والعطف في دين الله هي: الأمراض التي تصيب الإرادة الإنسانية في محاولاتها المتكررة المتعثرة أن تصل إلى الكمال المنشود. فإن المرء إذا طلب السمو بنفسه عن الدنايا، لاحقته من طبيعته الأرضية نزعات شتى قد تزله عن الخير، حتى يكاد ييأس من بلوغه، فتمرض إرادته ويضعف عزمه. وهنا يتدخل الدين بتعاليمه ليعيد إلى الإرادة صحتها وقوتها، حتى تسعى بصاحبها إلى الكمال ما دام حيًّا. وفي ذلك الموضع الدقيق من علاج النفس، تساق أحاديث الرجاء وآيات الرحمة، والنصوص الكثيرة التي تفتح عيني الإنسان على آفاق بعيدة المدى من غفران الله ورضوانه، والتي لا تسد منافذ الأمل أمام نفسه أبدًا. مثل قوله تعالى للعصاة: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) . وأمثال هذه البشارات الرحبة يظنها القاصرون ذريعة إلى التقصير في العمل والاستهانة بالخطأ، وهذا وهم مغرق في الضلال. فما قصد بهذه النصوص إلا تشجيع المجاهد لهواه على المضي في طريقه، لا تقفه عثرة ولا تلويه عقبة، ولا تنكسر عزيمته في الخير لكثرة ما اقترفت من الشر، ولا يقنط من رحمة الله ـ مهما صنع ـ ما دام يريد استئناف حياة أنقى وأفضل. وبهذا الضوء تدرك العلاقة بين النصوص الكثيرة التي تجعل العمل كل شيء في الدنيا حينًا، والتي تسوق العفو والمغفرة حينًا آخر على اليسير من الأمور. وخير ما نستصحبه في ملاحظتنا في أحوال الناس قول عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ:"لا تنظروا في أعمال الناس كأنكم أرباب، بل انظروا في أعمالكم على أنكم عبيد، فإنما الناس رجلان، مبتلى ومعافى، فاعذروا أهل البلاء، واحمدوا الله على ص _18 ص"