الصفحة 167 من 229

فامرؤ يقارف الجريمة مريدًا واعيًا يبصر آثارها كاملة، ويقدر على مجانبتها تمامًا، ويرتب وسائلها، ويهيئ ظروفها، ويستعد لمفاجأتها غير امرئ تتسلط عليه إحدى العواطف الحادة؛ كالغضب أو الحب أو القرابة ، فيتورط في جناية مندفعًا إليها اندفاع المنقوص الإرادة والوعي معًا. وكلاهما غير ثابت، أعوزته أسباب القوت فسرق، أو أسباب النشأة الصالحة والتربية الضرورية فأفسد. لا حاجة بنا إلى بيان ما يستحقه كل نوع من هؤلاء، فهذا واضح كل الوضوح. وإذا كان قضاء البشر لا يأبى الرحمة على من يستحقها كاملة، ولا العدل على من يستحقه مجردًا، ولا هما معًا على من يستحقهما معًا، لأن وضاع القوانين، والقضاة بين الناس، لا يضعونها، ولا يحكمون وهم آلات صماء. وإنما هم بشر، فيهم ما في البشر من صفات يستوحونها. وتظهر ـ حتمًا ـ فيما يضعون وفيما يحكمون، بل المفروض أنهم من أرقى البشر. فصفاتهم من العدل والنزاهة والعلم بالأنفس وتقدير البواعث والرحمة وما إليها من أرقى الصفات. والقرآن يتحدث بحديثه الفياض عن صفات لله هي المثل الأعلى، من علمه المحيط بمن خلق، وعدله الناصع الذي آثره لنفسه، وأمر به الناس، ورحمته الواسعة، وإحسانه الجميل، وعفوه السمح. وهى صفات من الأدب أن نقول إنها غير عقيمة، أو غير سلبية، أو غير موقوتة بهذه الحياة الدنيا. فنحن ـ بهذا القول ومثله ـ نقدرها حق قدرها؛ لأنها صفات إلهية، فهي عاملة دائبة، وهي مباركة متصلة، تتناول الدنيا والآخرة. ومعاملة الله للناس فيما يشرع لهم وفيما يقضي بينهم، لابد أن تكون مظهرًا تظهر فيه هذه الصفات، ومجالًا تبدو فيه آثارها الجميلة. ص _190

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت