الصفحة 169 من 229

إذا نشب خلاف على مسألة ما بين علماء مخلصين، فإن هذا الخلاف لن يطول أجله. وإذا قدر له أن يطول، فلن يترك في النفوس حقدًا، ولا في الصفوف صدعًا.. وإذا حدث من ذلك شيء فلابد أن يكون لأسباب مصطنعة بعيدة عن دائرة العلم، أو عن دائرة الإخلاص، أو عن كلتيهما جميعًا. وقد لمحت وراء كثير من ضروب الخلاف، أشياء كثيرة تغاير البحث المنزه في العلم، والإخلاص المجرد للحق. ولو ماتت أهواء النفوس، وشهوات الغلب، وانمحت الأغراض الدخيلة من وراء إعلاء رأي ونشر مذهب؛ لَبادت عشرات من الفرق يوم ولدت، أو لبقيت في نطاق لا يعدو صفحات الكتب وحلقات الدرس، كآراء تشتجر في ميدان النظر الحر، وتنتهي ضجتها بانتهاء النقاش فيها. إن سعة العلم تلد رحابة الأفق، وإن حسن النية يلد رحابة الصدر، وإن الإيمان المحض يلد الحفاظ الدقيق على وحدة الأمة. فأنى يتسرب الشقاق إلى دين يقوم على هذه الحقائق؟ ومن ثم حسم الله ـ عز وجل ـ صلة اتباع الهوى وهواة التفرقة بصاحب الرسالة العظمى، فليس منهم وليسوا منه. وسوف يلقون جزاء صنيعهم يوم ينقلبون إلى الله العليم بذات الصدور. (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) . وقد تسأل: لكن المسلمين اختلفوا فرقًا كثيرة، وقد اشتغلت هذه الفرق بالجدل قرونًا طويلة: فكيف يتفق هذا الواقع مع المبادئ التي مهدتها ؟؟ ونحن لا نبالي أن ندفع بالحق المجرد من تنكبوا سبيله . ص _193

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت