الصفحة 171 من 229

والتوفيق بين هذه الآراء المتقابلة سهل. وقد مر بها الصحابة الأولون فلم يجدوا ما يحبسهم عندها، ولا ما يقيد أفكارهم بإزائها، ولا ما يشغل العوام بالخوض فيها، أو الخواص بالتخاصم عليها، حتى جاءت - بعد - أيام الفراغ والهزل، فتألفت فرق للمتاجرة بهذا الخلاف.. وإليك مثلًا آخر. يرى ابن عباس وزيد بن ثابت وابن مسعود أن قاتل النفس متعمدًا لا توبة له، ويستشهدون بقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) . روي عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ألمن قتل مؤمنًا متعمدًا من توبة؟ قال: لا، فتلوت عليه الآية التي في الفرقان: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ) فقال: هذه آية مكية نسختها آية مدنية. قيل: إن آية الفرقان نزلت قي قوم اقترفوا هذه الذنوب قبل إسلامهم. قال ابن عباس:"فأما من دخل في الإسلام وعقله، ثم قتل فلا توبة له". وروي مثل ذلك عن زيد وعبد الله بن مسعود. وجمهور الصحابة يرى أن للقاتل توبة، وأن القتل ليس أشنع من الكفر، والله يقول لنبيه: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) . واختلاف الأنظار طبيعة البشر، وقد تفاوتت أحكام الصحابة في هذا الأمر، وفي أمور أخرى مشابهة. ص _195

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت