فهرس الكتاب
بين النبوة والفلسفة للمعارف المحترمة مصادر معينة لا يعول على ما وراءها. فإذا كان مصدرها إنسانيًّا فيجب أن تنبع من ثنايا المنطق التجريبي أو الرياضي، كما هو حاصل الآن في علوم الكون والحياة، وفيما يتصل بأحوال المادة وشؤون الناس. أما إذا كانت هذه المعارف متصلة بما وراء المادة ، أي بما يقصر المنطق التجريبي والرياضي عن مناله - فإن الوحي الصادق هو سبيلها الفذة، ولا يقبل غيره فيها. ومن ثم فالكلام عن الله وعن صفاته وعن حقوقه، لا يعتمد فيه إلا ما جاء على ألسنة الأنبياء وحدهم. وإذا تظاهرت الدلائل على صدق نبي ما، فإن ما جاء به من عند الله يأخذ وصف اليقين، وينقطع دونه الجدل. إن عشرات الفلاسفة والعلماء تكلموا في المادة وما وراء المادة منذ آماد طويلة. والتراث الذي خلفوه لنا خليط من الصواب والخطأ، عكف عليه الباحثون فمازوا صحيحه من سقيمه. ويمكن القول بأن كلام القدامى والمحدثين فيما وراء المادة ينقصه التوفيق لابتعاده عن مناهج الوحي، ولذا حفل بالنقائض والخرافات. قال صاحب إخوان الصفا:"إن الأنبياء كلهم مع تباعد أزمانهم، واختلاف لغاتهم، وموضوعات شرائعهم، وافتراق سننهم تجدهم متفقين على رأى واحد ومقصد واحد فيما يشيرون إليه في دعوتهم الأم. أما الفلاسفة فليست شريعتهم واحدة، ولا دينهم واحدًا، بل آراؤهم مختلفة وأقوالهم متناقضة، تورث لأتباعهم حيرة قلما تنجلي غمرتها. ص _199"