الصفحة 175 من 229

فكيف يرضى العاقل عن مذهب الفلاسفة مع اختلافهم ـ كأنما يكذب بعضهم بعضًا ـ ويعرض عن البحث والنظر في كتب الأنبياء مع اتفاقها. إنما ذهل أكثر المتفلسفين عن حقائق الأشياء لعدم معرفتهم كتب الأنبياء وإعراضهم عن النظر فيها، وقصور أفهامهم عن تصورها". هذا فيما يتصل بالمعارف الروحية. أما الفلسفة المادية فإن اتجاه العلم في العصور الحديثة إلى البحث المباشر والاستقراء الدقيق أفقد هذه الفلسفات القديمة منزلتها، وجعل أكثر نتاجها لغوًا. والحق أن كثيرًا من مذاهب المفكرين، وآراء الفلاسفة، ومقالات الأدباء لا تعتمد على ركيزة محترمة من اليقين الراسخ؛ بل جلها يشبه قصائد الشعراء الهائمين في أودية الخيال، أو هي تصوير لمشاعر نفسية خاصة، ووجهات نظر في فهم الحياة قد تسلم لأصحابها على أنها نزعات شخصية، ولكنها لا تقبل مطلقًا في ميدان العقائد العامة. والتضارب الهائل بين ثمرات هذا اللون من المعرفة الإنسانية يجعلنا لا نخرج به عن هذا النطاق. ولو قرأت فلسفة الهنود والرومان والإغريق، وتطورات الفلسفة الإنسانية عامة في القديم والحديث؛ لما تجاوزت بها أبدًا حدود البحث الحائر وراء الحقيقة الغامضة، وشتى الفروض التي يجافيها الصواب، ومزيجًا من التحويم الغامض يعلو ويهبط ثم لا يستقر على شيء. شتان بين هذا القلق وبين المبادئ المحدودة، والتعاليم الواضحة، والأفكار المشركة التي عرضها الأديان في بساطة تامة، كأنما تعرض المبادئ الأولى في علم الحساب. إننا لا نفعل من المعارف المادية إلا ما يخضع للمنطق التجريبي والرياضي ـ كما قلنا ـ ولا نقبل من المعارف الروحية إلا ما جاء على لسان نبي عرفنا بمنطقنا المادي صدقه، فأمناه على ما يغرس في عقولنا وقلوبنا، وما يرسم لآحادنا وجماعاتنا؛ لأنا آمنا بأنه مبلغ عن الله ، وما جاء من عند الله فهو الحق المطلق. ص _200"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت