فهرس الكتاب
أما ماعدا ذلك فهو وهم مريب، والتعلق به اتباع للظن، وقد نهانا الإسلام أن نركن إلا إلى اليقين: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) . (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا * فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) ص _201
الوحي أما الأنبياء فأساس علمهم الوحي. هؤلاء الرجال المصطفون من أبناء آدم تتلقفهم العناية من نشأتهم الأولى لتقيهم أوضار الطبيعة البشرية، وترقى بهم صعدًا في مدارج الكمال، وترشح قلوبهم الكبيرة لاستقبال ما يفد به الملأ الأعلى عن حضرة القدس. فإذا الحكمة تفيض من ألسنتهم، والأسوة تقتبس من أعمالهم، والنزاهة المطلقة تقترن بأحوالهم واتجاهاتهم. والوحي الذي تشرق به المعرفة على قلوب الأنبياء أنواع ومراتب. يبدأ بالرؤيا الصالحة في النوم، ورؤيا الأنبياء ليست من أضغاث الأحلام التي تترجم بها النفس عن رغباتها المكبوتة في صور مهوشة متقطعة، كما يحدث لجماهير الناس! كلا، فإن الكمال البشري الذي وصل إليه النبيون يجعل قلوبهم يقظة، ولو نامت أبدانهم، بعكس الدهماء الذين تنام قلوبهم ليلًا ونهارًا، فهي في غفوة لا تصحو منها، ولو نشطت أبدانهم وراء أغراضها الصغيرة. أما أفئدة الأنبياء؛ فكأجهزة الاستقبال المعدة لالتقاط الأنباء في كل حين، وكهرباؤها المتألقة تسجل ما يقذف الملك فيها.. ثم لا تلبث أن تذيعه على الناس أجمعين. وكانت الرؤيا الصالحة أول مطالع الوحي في حياة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ صاحب الرسالة العظمى."أول ما بدئ به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الوحي الرؤيا الصادقة؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح". وقد ظل صلوات الله وسلامه عليه موصول القلب بالله في يقظاته وهجعاته إلى ص _202