الصفحة 178 من 229

والتصديق بمبدإ الوحي ليس مما يتعاظم على العقول إدراكه. وشبه الماديين حوله تتساقط من تلقاء نفسها، ما دمنا قد اعترفنا بأن الله حق، وأن وجوده فوق الريب، وأن له ـ جل شأنه ـ أن يصطفي من عباده من يبلغ عنه مراده، ومن يتعهد به الأمم الشاردة ويخرجها من الظلمات إلى النور. وحاجة العالم إلى الرسل ماسة. فلو تركت أزمة الفكر الإنساني للاجتهاد المحض؛ لضل الناس رشدهم، ولما اتفقوا على حقيقة واحدة تصلح حالهم ومآلهم. ونحن ننظر في تاريخ الأرض القريب والبعيد فلا نجد مثابة تفرغ إليها الشعوب، وتلتمس في ظلالها الخير والبركة إلا تعاليم الأنبياء. هذه التعاليم منها ما يعجز العقل عن ابتداعه لو ترك وحده، ومنها ما يمكن أن يصل إليه العقل بعد لأي وبعد تجارب مريرة. ومع ذلك يكون تصوره له غامضًا، وفكرته عنه منقوصة. أحسب أنه لو لم تأتنا رسل من عند الله تعرفنا بوجوده، لبحثنا عن سر الوجود! وستصل أفكار حصيفة حتمًا إلى الجزم بأن هذا الكون لن يخلقه الوهم ولن ينظمه العدم، بل لابد من خالق موجود وقدرة منظمة. ولكن هذه الأفكار الصحيحة ستكون فروضًا قلقة، وقد تجرفها الآراء المناقضة، والمذاهب الملحدة. ولو استطاعت البقاء فإنها ـ في غيبة الوحي ـ ستكون تخمينات شتى، يلتبس فيها الحق بالباطل. ومن ثم فإن بعثه الرسل كانت ضرورة إنسانية لتجنيب العالم متاعب الضرب في بيداء طامسة. وقد أدى الرسل واجبهم في قيادة الفكر والقلب، وورثوا الأجيال المتعاقبة حقائق ص _204

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت