فهرس الكتاب
الإيمان بالله سهلة غضة، لا تحس وأنت تتناولها من أيديهم الطاهرة بهذا الكلال العقلي المعنت، الذي يصاحب دائمًا أفكار الفلاسفة في تصويرهم لأسرار الوجود. وكما عرفنا عن طريق الرسل مبدأ الإيمان بالله؛ عرفنا كذلك الإيمان باليوم الآخر وما يسبقه وما يلحقه من حساب وثواب وعقاب، عرفنا ذلك على جهة اليقين الجازم! ولولا بلاغ الوحي لعجز العقل المجرد عن فهم النهاية المرتقبة لعالمنا الآخر. بلى، إن المرء قد يرفض التسليم بأن هذه الحياة الدنيا هي كل شيء، لاسيما وهو يرى الجزاء مبتسرًا فيها. فكم من الأخيار والأشرار يموت قبل أن يلقى جزاء ما اكتسبت يداه، وكم من معارك دارت بين الأفراد والجماعات علا فيها مبطلون وهلك فيها مصلحون. وجور موازين الجزاء في الدنيا يعلق الأفئدة بيوم تم فيه النصقة ويتحقق فيه العدل. بل إن الفطرة ـ فيما تهدي إليه من حقائق ـ يجعل الإنسان يستشعر معنى الخلود، ويستعد له في حياته القصيرة بمختلف الأساليب. بيد أن رسالات السماء وحدها هي التي كشفت الغطاء عن كل ما قد يثار حول البعث من ريب، وقدمت للمرء كشفًا مفصلًا بالجزيئات التي سوف يلقاها عقب انتهاء أيامه في هذه الدار. وليست وظيفة الرسل هذا الإرشاد العقلي إلى حقائق الحياة فحسب، بل إن تربية الأصحاب والأتباع على هذه المبادئ من أهم ما جاءوا له. والتربية (كالذوق) شيء ليس في الكتب، إنها ليست حشو الأذهان بالمعلومات، ولا قيادة الحياة بالأوامر العسكرية. بل إن التربية الدينية التي تولاها الأنبياء، كتبوا بها صحائف جديدة في التاريخ تقوم على إحداث تغير نفساني عميق يشبه تغير الطين بعد نفخ الروح فيه. وذعار الجاهلية الذين عاشوا في باديتهم عبيد شهوات، ومساعر حروب فاجرة، لم ص _205