فهرس الكتاب
والدليل على صدق أية دعوى قد يكون بأمور خارجة، أو يكون بحقيقتها في نفسها. فقد يزعم أحد الناس أنه مهندس، ويقول: دليلي على ذلك أني أستطيع السير بقدرتي على الماء، أو الطير بجناحي في الهواء. فإذا فعل ذلك سلمنا له . وقد يقول: دليلي على ما أقول: أن أبني - فعلًا - عمارة مدعمة الأركان، أو أصل بين شاطئين - مثلًا - بجسر متين. فإذا فعل، فقد دل بقدرته الهندسية على أنه مهندس يقينًا. بل قد تستريح النفس إلى هذا الاستدلال أكثر من راحتها إلى البراهين الخارقة الأولى. قال ابن رشد: (إن دلالة القرآن على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ليست كدلالة انقلاب العصا حية، ولا إحياء الموتى، وإبراء المرضى. فإن تلك وإن كانت أفعالًا لا تظهر إلا على أيدي الأنبياء، وفيها ما ينفع الجماهير من العامة، إلا أنها مقطوعة الصلة بوظيفة النبوة، وأهداف الوحي، ومعنى الشريعة. أما القرآن فدلالته على صفوة النبوة، وحقيقة الدين مثل دلالة الإبراء على الطب. ومثال ذلك، لو أن شخصين ادعيا الطب، فقال أحدهما: الدليل على أني طبيب أني أطير في الجو. وقال الآخر: دليلي أن أشفي الأمراض وأذهب الأسقام. لكان تصديقنا بوجود الطب عند من شفي من المرض قاطعًا، وعند الآخر مقنعًا فقط) اهـ. ملخصًا بتصرف. والتفاوت بينها واسع النطاق باختلاف البيئات التي ظهرت فيها، والرسالات التي اقترنت بها. ص _209