الصفحة 185 من 229

المعجزة بين الرسالة الخاتمة والرسالات الأولى جرت سنة الله في أنبيائه جميعًا أن يؤيدهم بالمعجزات الواضحة، وأن يسوق بين أيديهم من الخوارق ما يلفت الأنظار، ويستهوي الأفئدة، ثم ما يبني معالم اليقين، وعناصر الاستقرار، ودواعي الطمأنينة في النفوس. وكانت معجزات الأنبياء شيئًا آخر غير الرسالات التي يبشرون بها، ويدعون إليها. فطب عيسى غير إنجيله، وعصا موسى غير توراته. إلا أن الله شاء أن يجعل معجزة الرسالة الأخيرة شيئًا لا ينفصل عن جوهرها. فجعل حقائق الرسالة ودلائل صحتها كتابًا واحدًا. وجعل من أصول الدعوة وأساليب عرضها، البرهان الأكبر لدعوى الرسالة، والسناد الأعظم لصدق صاحبها. فآي القرآن الكريم ـ بما تتضمن من دسائس العدالة الخلقية والاجتماعية والسياسية، وبما تغرس في الطبائع من آثار الأدب والتربية والاستقامة ـ هي هي رسالة الإسلام ومعجزته. وأعظم ما في هذه الآيات أن الفطرة الإنسانية تجد فيها مجالها الحيوي الفذ، وتجد في جوها المتنفس الطلق الحر. ومن ثم كان القرآن كتابًا إنسانيًّا، وكان نبي القرآن إنسانًا كاملًا، وكانت رسالة الإسلام في موضوعها وأهدافها إنسانية بحتة. ولذلك توجه القرآن- مباشرة - إلى العقل البشري يخاطبه ويفك عنه آصاره، ويرد له اعتباره. وأكد القرآن أن أصحاب هذا العقل وحده هم الذين يستطيعون فهمه وتبين ص _211

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت