الصفحة 186 من 229

معانيه. (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب) . بل إن أصحاب هذا العقل وحده، هم الذين يفهمون رسالة الوجود ويفقهون أسرار الكون. (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) فلتكن إذًا معجزة نبي الإسلام عقلية. ومادام البشر يحترمون عقولهم، فستبقى لهذه المعجزة قيمتها، أجل، ستبقى لهذه المعجزة قيمتها ما بقي العقل أنفس شيء في الحياة، وما استلهم الناس عقولهم في الحكم على الأمور وفي قيادة الإنسانية إلى آفاق الترقي والكمال. ص _212

مقترحات كافرة غير أن هذا المنطق لم يكن ليلقى القبول الواجب له عند أعراب الجزيرة، وبقايا القرون الأولى، وصرعى الأوهام والخيالات. إذ كان أقصى ما يفكر فيه هؤلاء أن يشاهدوا خارقًا يقلب البر بحرًا أو الخصب جدبًا. وعندئذ يلقون السلم ويدخلون في الإسلام. ولم يكن شيء من هذا الذي اقترحوه عزيزًا على قدرة الله. ولكن حكمة الله أبت إلا أن تغالي بقيمة العقل الإنساني الذي أرخصوه، وإنه لعزيز على هذه القدرة العليا أن تعطي الإنسان عقلًا يصنع المعجزات ـ إذا ما اعتنى به والتفت إليه ـ ثم تترك هذا الذي أعطت يضيع عبثًا، وتستجيب لرغبات الجاهلين الذين سفهوا أنفسهم وأفكارهم، وأبوا تحكيم مشاعرهم وعقولهم، وطالبوا بمعجزات مادية قليلة أو كثيرة لتصديق نبيهم. وكان لابد في معاملة أولئك القوم من سلوك منهج يرغم آنافهم على احترام العقل الإنساني لمصلحتهم ولمصلحة الأجيال من بعدهم! ولذلك تقرر أن تكون المعجزة الكبرى لمحمد ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ هي هذا القرآن الكريم. فيه كان التحدي، وعليه كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعتمد في سيرته مع خصومه وأصحابه طول حياته. ومن بعده ظل القرآن كتاب الإسلام الناطق بدعوته وحجته معًا. إلا أن الحكمة الإلهية اقتضت أن تبث في طريق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنواعًا من الخوارق التي ص _213

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت