الصفحة 199 من 229

بيد أن هذا الخير لا ينزل اتفاقًا، ولا يدرك اعتباطًا! وقد حاول شاعر في الجاهلية ـ بكثرة الكلام في الإلهيات ـ أن يكون نبيًّا ففشل. وتوقع نفر من الأحبار والرهبان أن يصيبوا هذا الشرف، ففاتهم مع توقهم إليه ورغبتهم فيه. إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يختار لهذا المنصب العظيم أهله!! ومن ظن أن العصمة تمنع المحنة والابتلاء، أو أن الرسل الكرام ليسوا أكثر من حملة وحي، وظيفتهم التبليغ المجرد؛ كأن أحدهم مكبر صوت تنفخ من ورائه الملائكة، فليست له مواهب، ولا استعداد خاص، ولا امتيازات رفيعة. من ظن ذلك فقد ضل في فهم المرسلين، وجهل ما حباهم الله به من خلال تجعل أعظم فلاسفة الأرض لا يصل إلى مصاف أقدامهم!. إن الكتاب الذين ألفوا في سيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووصفوه بالعبقرية يمكننا أن نقبل منهم هذا الوصف بحذر وبقدر. نقبله إذا كان القصد منه كشف النقاب عن معالم العظمة الشخصية، وإلقاء ضوء على البطولة الأدبية لأولئك المصطفين الأخيار. ونقبله إذا كان القصد منه الاعتراف بمبدإ الوحي الذي يصل المادة بما وراء المادة، وهذا هو أساس النبوة الأول. ونرفضه إذا كان وصفًا لعظمة إنسانية معتادة تسلك صاحبها مع غيره من رجال التاريخ البارزين. ذلك موقف المسلم من جمهرة المؤلفين والمؤرخين ممن كتبوا في حياة النبي الأمين ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ص _227

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت