فهرس الكتاب
هذي الحياة قبل أن نأتي إلى الحياة الدنيا، كم سبقتنا من عصور؟ وبعد أن نغادر هذه الحياة، كم ستعقبنا من أجيال؟ وما نسبة هذا العمر المحدود بين ما سبقه وما لحقه من أزمنة؟ إنه قليل قليل، ولكن من هذا القليل الممنوح لي ولك، تتكون الحياة الدنيا!! من هذا الظهور المحفوف بالفناء قبله والخفاء بعده تعمر الأرض! في طريق الحياة الممتد يجري جيل من البشر وما يزال يجري، حتى إذا نال منه الكلال وأدركه الإعياء مات. وقبل أن يخلو الطريق من الأنفاس اللاهثة والأقدام اللاغبة ينبت جيل آخر يستأنف السعي، ويمثل الدور نفسه. ويسحب الجيل المنهوك، فيلف في الأكفان، ويوارى في التراب. وينفرد الجيل الجديد بالسعي، حتى إذا لحقه ما أصاب سلفه، سحب - كذلك - وجيء بآخرين، وهكذا دواليك. هذه هي مواكب الحياة .. عمل متواصل من أعمار متقطعة! والعجب أن هذا العمل الموصول يسخر من القائمين به، فهم لا يحسبون أنفسهم حلقة من السلسلة المتقطعة المتراخية مع الأمس، والمتطاولة مع الغد. بل إن الواحد منهم يخدعه الغرور، فما يفكر أنه جديد على الدنيا، وأنه - كما ظهر فيها فجأة - سيختفي بغتة. كلا إن الغرور يخيل إليه أنه كان من الأزل وسيبقى إلى الأبد !! ص _233