الصفحة 26 من 229

تعالى، وكان هذا يقتضي أن تكون معرفته أول المعارف وأسبقها إلى الأفهام، وأسهلها على العقول، ولكن ترى الأمر بالضد من ذلك! فلابد من بيان السبب فيه. وإنما قلنا: إنه أظهر الموجودات وأجلاها لمعنى لا نفهمه إلا بمثال. وهو أنا إذا رأينا إنسانًا يكتب أو يخيط - مثلًا - كان كونه حيًّا عندنا من أظهر الموجودات! فحياته وعلمه وقدرته وإرادته للخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة. إذ صفاته الباطنة كشهوته وغضبه وخلقه وصحته ومرضه. كل ذلك لا نعرفه. وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها، وبعضها نشك فيه كمقدار طوله واختلاف لون بشرته، وغير ذلك من صفاته. أما حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيوانًا ؛ فإنه جلي عندنا، وإن كنا لا نرى بأعيننا حياته وقدرته وإرادته. فإن هذه الصفات لا تحس بشيء من الحواس الخمس ، ولا يمكن أن تُعْرف حياته وقدرته وإرادته إلا بخياطته وحركته. . ولو نظرنا إلى كل ما في العالم سوى هذه المظاهر لم نعرف به شيئًا من صفاته. فما عليه إلا دليل واحد هو عمله بيديه ، وهو مع ذلك الدليل الواحد على وجوده يوصف بأنه موجود تجيء واضح . فماذا يقول المرء في وجود الله الذي لا تحمي أدلته لكثرتها ؟ وماذا يقول في أوصافه التي يشهد كل شيء بعظمتها ؟ إن وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له - بالضرورة - كل ما نشاهده وندركه بالحواس الظاهرة والباطنة. كل ما نشاهده من حجر ومدر، ونبات وشجر وحيوان، وسماء وأرض، وكوكب، وبر وبحر ، ونار وهواء، وجوهر وعرض. بل أول شاهد عليه أنفسنا نحن وأجسامنا وأوصافنا، وتقلب أحوالنا وتغير قلوبنا ، ص _034

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت