وجميع أطوارنا، في حركاتنا وسكناتنا. وأظهر الأشياء في علمنا أنفسنا، ثم محسوساتنا بالحواس الخمس، ثم مدركاتنا بالعقل والبصيرة. وكل واحد من هذه المدركات له مدرك واحد، وشاهد واحد، ودليل واحد، وجميع ما في العالم شواهد ناطقة، وأدلة شاهدة، بوجود خالفها ومدبرها، ومصرفها، ومحركها، ودالة على علمه وقدرته ولطفه وحكمته، والموجودات المدركة لا حصر لها . فإن كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا، وليس يشهد إلا شاهد واحد. وهو ما أحسسنا به من حركة يده. فكيف لا يظهر عندنا ما لا يتصور في الوجود شيء ـ داخل نفوسنا وخارجها ـ إلا وهو شاهد عليه؟ وعلى عظمته وجلاله؟ إذ كل ذرة فينا نحن البشر تنادي بلسان حالها، أنه ليس وجودها بنفسها، ولا حركتها بذاتها، وأنها تحتاج إلى موجد ومحرك لها. يشهد بذلك أولًا تركيب أعضائنا، وائتلاف عظامنا ولحومنا، وتكوين أعصابنا، وانسياب شعورنا، وتشكل أطرافنا وسائر أجزائنا الظاهرة والباطنة. فإنا نعلم أنها لم تأتلف بأنفسها، كما نعلم أن يد الكاتب لم تتحرك بنفسها. ولكن لما لم يبق في الوجود شيء مدرك، محسوس أو معقول، حاضر أو غائب إلا وهو شاهد ومعرف له عظم ظهوره سبحانه، فانبهرت العقول ودهشت عن إدراكه". ثم قال الغزالي موضحًا علة هذا القصور: (ذلك، وما تقصر عن فهمه عقولنا له سببان: أحدهما: خفاؤه في نفسه وغموضه، وذلك لا يخفى مناله . وثانيهما: ما يتناهى وضوحه...!! إن الخفاش يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار؟ لا لخفاء النهار واستتاره ؛ لكن لشدة ص _035"