الصفحة 28 من 229

ظهوره، فإن بصر الخفاش ضعيف، يبهره نور الشمس إذا أشرقت ، فتكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سببًا لامتناع إبصاره، فلا يرى شيئًا إلا إذا امتزج الضوء بالظلام وضعف ظهوره. فكذلك عقولنا ضعيفة، وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة، وفي غاية الاستغراق والشمول .. حتى لم تشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السموات والأرض: فصار ظهوره سبب خفائه، فسبحان من احتجب بإشراق نوره، واختفى عن البصائر بظهوره . ولا يتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور؛ فإن الأشياء تستبان بأضدادها، وما عم وجوده حتى إنه لا ضد له، يعسر إدراكه . فلو اختلفت الأشياء فدل بعضها دون بعض أدركت التفرقة عن قرب، ولكن لما اشتركت في الدلالة على نسق واحد أشكل الأمر . ومثاله نور الشمس المشرق على الأرض، ما كان أيسر جحوده لو أنه دائم البقاء وما أكثر الكافرين به ، لكن لنور الشمس حالًا أخرى ... فإنا نعلم أنه عرض من الأعراض ، يحدث في الأرض، ويزول عند غيبة الشمس. فلو كانت الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها؟ لكنا نظن أنه لا هيئة في الأجسام إلا ألوانها: وهي السواد والبياض وغيرهما. فإنا لا نشاهد في الأسود إلا السواد، وفي الأبيض إلا البياض. فأما الضوء فلا ندركه وحده . ولكن لما غابت الشمس وأظلمت المواضع أدركنا تفرقة بين الحالين. فعلمنا أن الأجسام كانت قد استضاءت بضوء، واتصفت بصفة فارقتها عند الغروب. عرفنا وجود النور بعدمه؟ وما كنا نطلع عليه لولا عدمه إلا بعسر شديد. ص _03 ص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت