وفي رواية أخرى:"الحمد لله الذي رد كيده ـ الشيطان ـ إلى الوسوسة". وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ:"قالوا: يا رسول الله ، إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة، أو يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به، قال: ذلك محض الإيمان". إن تاريخ الإنسان والعالم والحياة كلها جد بعد عدم، لا يدرى مداه . وربما استطاع الإنسان إدراك أعراض يسيرة في بيئته المحدودة، أعراض تمس يومها الحاضر، أو أمسها القريب، أو غدها الموشك . وقد يكون من هذه الأعراض المدركة جملة من المعارف النافعة... ثم تقف بعد ذلك أشعة بصيرته فلا تستطيع حراكًا ولا إدراكًا . فإذا كانت تلك حدود قدرته العقلية في عالم الشهادة، فلا جرم أنه يكون في عالم الغيب أعجز، وعن فهمه أقصر. وراكب السفينة قد يستطيع التجوال فيها، فإذا بدا له أن يقذف بنفسه في أغمار اليم فقلما يعود. وعقلنا في قوته المحدودة كبصرنا الذي لا يقرأ إلا على أشبار، فإذا ابتعد الخط عنه مسافة لم يميز منه حرفًا . كذلك لا يستطيع العقل أن يدرك إلا في دائرة وجوده الضيقة: ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) . ومن ثم فنحن نؤمن بقدم الذات الإلهية وامتداد هذا القدم في أغوار الأزل الذي لا نعرف عنه كنهه. ... ذلك وطبيعة الوجود المحدث تقتضي البداية والنهاية، أما مَن وجوده من ذاته فحقه أسمى من أن يسبقه أو يطرأ عليه عدم . ص _039