الصفحة 77 من 229

إن النور المتولد عن انتشار الكهرباء في الأسلاك، والحركة الناشئة عن امتداد الأبخرة في المواسير، والحديد المرتفع في الجو، نتيجة تغيير المراوح الدائرة لمقادير الضغط ـ حول الطائرة ـ، كل أولئك لا يرفع قدر عنصر من العناصر المخلوقة، فيهب له مرتبة الوجود المستقل، فضلًا عن الإيجاد الرائع! لماذا يطلب منا أن نظن في مواد التربة أنها ـ بقدرتها ـ خلقت النبات؟ ولو كان ذلك حقًّا، فما الذي يمنع التربة أن تكون إلهًا ؟ ولو كانت العناصر جميعًا بهذه المثابة مع حركاتها وسكونها، فأي خبط نقع فيه نتيجة هذا الفرض الأحمق؟. أليس أقصر طريق نصل به إلى الحق أن ننظر إلى العالم كله، من أرضه لسمائه، على أنه صنع القدرة العليا، وأن كل ما يتجدد فيه إنما يقع تحت إشراف القدرة وهيمنتها؟ من المؤسف أن تكون السمة الغالبة على العلوم الطبيعية كافة أنها تقوم على البحث المجرد في مادة الوجود، وعلى تعرف حقيقة العلاقات والروابط بين شتى العناصر. وقلما تلتفت إلى شيء بعد ذلك، إذا وفقت إلى نتائج معينة في موضوع بحثها. وتنتهي أغلب هذه العلوم بمن يدرسونها إلى علم جيد بالمخلوقات، وجهل مطبق بخالقها؛ لأنه لم ترد إليه إشارة ما في غضون بحوثها الكثيرة المتشعبة. وهذه ـ لا ريب ـ خيانة علمية، فإن دراسة هذا الكون العظيم تنفذ إلى صميم الفكر الحر بأشعة من الهدى والإيمان. وتجعل الإنسان يتطلع ـ ملء الفؤاد ـ بعواطف الرهبة والرغبة إلى هذا الخالق العظيم . وهذه البحوث المجردة تشعر بآثار القدرة الرائعة فيما تتناوله من نواحي الطبيعة، غير أنها تطويها طيًّا تحت أسماء مبهمة، وتستدرج المتعلم بإجراء الملاحظات والتجارب، ثم تشغله بتدوين النتائج القريبة وحسب !. ص _092

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت