فهرس الكتاب
الإرادة والله ـ سبحانه وتعالى ـ فيما خلق وفيما يخلق، وفيما دبر ويدبر به شؤون العالم ـ كان يصوغ الكائنات في الأوضاع التي يريدها، ويضفي عليها الأوصاف التي يشاؤها، ويبرزها في الأوقات التي يختارها، لا يستكرهه أحد على شيء من ذلك كله. وما ترى في الأرض والسماء من تنوع في الوجود ، وتميز في السمات، هو مظهر الإرادة الحرة في تعلقاتها كافة. فما أوجده الله في هذا العصر كان من حقه الكامل أن يوجده في الأيام الخالية. وما جعله الله كوكبًا متألقًا كان يستطيع جعله جندلًا باردًا. وتوزيع الصفات والأحجام والأحوال في أنحاء الكون العريض ليس إلا المشيئة العليا لله ـ عز وجل ـ . ولو أراد أن يخلق العالم الذي نعيش فيه على نحو آخر في قوانينه وأنظمته وأحيائه وأشيائه كلها لفعل . وإنك لترى انطلاق المشيئة دون أي عائق في إخراجها الأصناف المختلفة من الأصل الواحد ! فالحقول المتجاورة تختلف محصولاتها كمًّا وكيفًا! والبذور المتجانسة تتفاوت فروعها حلاوة وحموضة، ولونًا ووزنًا في النبات، ولؤمًا ونبلًا وذكاءً وبلادةً في الإنسان والحيوان. (وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) . ص _094