الصفحة 89 من 229

وقد كلم الله موسى تكليمًا، وسوف يكلم كثيرًا من عباده يوم القيامة. وأرسل الروح الأمين بختام الوحي إلى صاحب الرسالة العظمى. فكان القرآن الكلمة الأخيرة في هدايات الله لعباده. (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) . أما حقيقة الكلام ـ كصفة الله ـ فلا نقصر فيها ولا نطيل؛ لأننا دون هذا المجال بكثير. بيد أننا نجزم بأن الكلام الإلهي ليس ألفاظًا تصنعها الشفتان واللسان، وتضبطها الرئتان والحنجرة والأسنان، فذاك شأن الإنسان لا وصف الرحمن. ص _105

أنت أنت الله إذا ما اتجه الفكر في السموات حيث انتشرت النجوم في الليل، وإذا ما كل البصر فيما لا نهاية له في الآفاق المظلمة، وإذا ما خشعت النفس خشعتها من رهبة السكون الشامل، فإنك تشرف بوجهك الكريم من خلال هذه الآفاق، وتسمع صوتك في ذلك السكون، وتمس بعظمتك النفس الخاشعة المطمئنة. حينئذ تبدو الآفاق المظلمة كأنها باسمة مشرقة، ويتحول السكون إلى نبرات مطربة، تنبعث من كل صوب، وحينئذ تتغنى النفس الخاشعة لتقول:"أنت أنت الله". وإذا ما كان المتأمل على شاطئ البحر الخضم، وأرسل الطرف بعيدًا ، حيث تختلط زرقة السماء بزرقة الماء، وحيث تنحدر شمس الأصيل رويدًا رويدًا كأنها الإبريز المسجور، لتغيب في هذا المتسع الملح الأجاج، وحيث تتهادى الفلك ذات الشراع الأبيض في حدود الأفق الملون بألوان الشفق، كأنها طائر يسبح في النعيم. إذ ذاك يشعر المتأمل بعظمة واسعة عظمة البحر الواسع. وإذ ذاك تقر العين باطمئنان الفلك الجاري على أديم الماء الممهد، وفي رعاية الله الصمد، حيث تكون مظهر العظمة، وحيث تطمئن النفس لرؤية ما تطمئن إليه في منظر جميل. إذ ذاك يدق الفؤاد بدقات صداها في النفس"أنت أنت الله". وإذا ما انطلقت السفينة بعيدًا في البحر اللجي، وهبت الزوابع، وتسابقت الرياح، وتلبد بالسحب الفضاء، واكفهر وجه السماء، وأبرق البرق، وأرعد الرعد، وكانت ص _10 ص

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت