فهرس الكتاب
ظلمات بعضها فوق بعض، ولعبت بالسفينة الأمواج، وأجهد البحار جهده، وأفرغ الربان حيلته، وأشرفت السفينة على الغرق، وتربص الموت من كل صوب وحدب. إذ ذاك يشق ضياؤك هذه الظلمات والمسالك، وتحيط رأفتك بهذه الأخطار والمهالك، وتصل بحبال نجدتك المكروبين البائسين. وإذ ذاك يردد القلب واللسان"أنت أنت الله". وإذا ما اشتد السقم بمن أحاطت به عناية الأطباء، وسهر الأوفياء، ونام بين آمال المخلصين ودعوات المحبين، ثم ضعفت حيلة الطبيب، ولم ينفع وفاء الحبيب، واستحال الرجاء إلى بلاء. إذ ذاك تتجلى مستويًا على عرش عظمتك، والنواصي خاشعة، والنفوس جازعة، والأيدي راجفة، والقلوب واجفة لتقول:"أنا قضيت"، ويقول الطبيب والقريب والحبيب:"لك الأمر، أنت أنت الله". وإذا ما باين الدنيا إنسان وباينته، إذ ينظر إلى المال فيلقاه فانيًا، وإلى الجاه فيلقاه ذاويًا، وإلى الأمالي فيلقاها زائلة، وإلى الآمال فيجدها باطلة، وإلى الشهوات فيجدها خادعة كاذبة، وإلى المسرات فيجدها آفلة غاربة. إذ ذاك يستغني عن الجاه والمال، وتشل في نفسه حركة الآمال؟ وبين جاه يدول، وأمل يزول لا يملأ فراغ النفس إلا ذكرك:"أنت أنت الله". وإذا ما وقعت العين على زهرة تتفتق في الأكمام ، أو تلاقت العين بعين يملؤها الحين والابتسام، وإذا أعجب المعجبون بجمال الفجر المتنفس، وتغريد الطير المتربص، وعاود الصدر انشراحه، وملأ القلب ارتياحه. إذ ذاك يشرق في قلوبنا نورك الجميل ، فنراك"أنت أنت الله". فيما يمس النفس من مظاهر العظمة، ومظاهر السعة، ومظاهر الرحمة، ومظاهر القدرة والقضاء، ومظاهر الدوام والبقاء، ومظاهر الجمال والجلال، اعتاد الناس أن يصفوك بالعظيم والواسع والرحيم والقادر والدائم والجميل والجليل وأوتار القلوب تردد:"أنت أنت الله ، أنت أنت الله". ص _107
القضاء والقدر ص _108