فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 196

وشكرا لله الّذي وفقنا للاعتراف بدينه إعلانا وإسرارا، وسددنا للانقياد لحكمه إظهارا وإضمارا، ولم يجعلنا من ضلال الباطنية الذين يظهرون باللسان إقرارا، ويضمرون في الجنان تماديا وإصرارا، ويحملون من الذنوب أوقارا «1» ، ويعلنون في الدين تقوى ووقارا، ويحتقبون «2» من المظالم أوزارا، لأنهم لا يرجون لله وقارا، ولو خاطبهم دعاة الحق ليلا ونهارا لم يزدهم دعاؤهم إلا فرارا؛ فإذا أطل عليهم سيف أهل الحق آثروا الحق إيثارا، وإذا انقشع عنهم ظله أصرّوا واستكبروا استكبارا فنسأل الله أن لا يدع على وجه الأرض منهم ديارا «3» ؛ ونصلى على رسوله المصطفى، وعلى آله وخلفائه الراشدين من بعده صلوات بعدد قطر السحاب تهمى مدرارا، وتزداد على ممر الأيام استمرارا، وتتجدد على توالى الأعوام تلاحقا وتكرارا.

أما بعد: فإنى لم أزل مدة المقام بمدينة السلام «4» متشوفا إلى أن أخدم المواقف المقدسة النبوية الإمامية المستظهرية ضاعف الله جلالها، ومدّ على طبقات الخلق ظلالها- بتصنيف كتاب في علم الدين أقضى به شكر النعمة، وأقيم به رسم الخدمة، وأجتنى بما أتعاطاه من الكلفة ثمار القبول والزلفة؛ لكني جنحت إلى التوانى لتحيرى في تعيين العلم الّذي أقصده بالتصنيف وتخصيص الفن الّذي يقع موقع الرضى من الرأى النبوى الشريف، فكانت هذه الحيرة تغبر في وجه المراد، وتمنع القريحة عن الإذعان والانقياد، حتى خرجت الأوامر الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية «5» بالإشارة إلى

(1) أوقارا: أحمالا.

(2) يحتقبون: يجمعون ويحتبسون.

(3) إشارة إلى قوله تعالى على لسان نوح عليه السلام بدعائه على قومه: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا [نوح: 26] .

(4) مدينة السلام: بغداد. سماها بذلك أبو جعفر المنصور الذي بناها.

(5) نسبة إلى الخليفة العباسى أحمد المستنصر بالله (كان خيّرا فاضلا ذكيا بارعا، وكانت أيامه ببغداد كأنها الأعياد، وكان راغبا في البر والخير، مسارعا إلى ذلك، لا يرد سائلا؛ وكان جميل العشرة لا يصغى إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت