فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 196

لعلمت كما يعلم وجود الأنبياء ووجود الأقطار التى لم تشاهد كالصين وقيروان المغرب، ووجود الوقائع كحرب بدر وصفين، ولا يشترك الناس في دركه، حتى كان لا يقدر أحد على أن يشكك فيه نفسه، وليس يخفى أن الأمر في هذه الدعاوى بالضد، إذ لو كلف الإنسان أن يتسع لتجويز ما قالوه وإمكانه لم يتمكن، بل علم قطعا خلافه، فكيف يتصور الطمع في إثباته! وكيف يتواقحون على دعواه وقد اختلف القائلون بوجوب الإمام المعصوم في جماعة من الأئمة بزعمهم أنه خلف ولدا أو لم يخلف؛ واختلفوا في تعيين الإمامة في بعضهم؛ واختلفوا في ظهوره، فقال قائلون: الإمام موجود ولكنه ليس يظهر تقية، وقال آخرون هو ظاهر؛ فكيف خالفهم أصحابهم؟! وإن كانوا قد عرفوا ذلك بنص متواتر فكيف قبلوه من الآحاد إن لم يكن متواترا، وقول الآحاد لا يورث إلا الظن؟! فاستبان أن ما ذكروه طمع في غير مطمع، وفزع إلى غير مفزع. ومثالهم في الفرار من مسلك النظر إلى مسلك النص مثال من يميل من البلل إلى الغرق؛ فإن المسلك الأول أقرب إلى التلبيس من هذا المسلك.

فإن قال قائل: قد طولتم الأمر عليهم وأحرجتموهم إلى إثبات النص على عليّ، ثم إثبات النص من كل واحد من أعقابه ولدا ولدا؛ ثم صحة نسبه؛ ثم استفاضة هذه الأخبار أولا ووسطا وآخرا، وهم يستغنون عن جميع ذلك بخبر واحد وهو أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال: «الإمامة بعدى لعلى وبعده لأولاده لا تخرج من نسبى، ولا ينقطع نسبى أصلا، ولا يموت واحد منهم قبل توليته العهد لولده» - وهذا القدر يكفيهم- قلنا: نعم! يكفيهم هذا القدر إن كان كل ما يخطر بالبال ويوافق شهوة الضلال يمكن اختراعه ونقله متواترا، ولكن هذا على هذا الوجه لم يقع ولا نقل، ولا ادعى مدّع وقوعه، معتقدا بالباطل ولا على سبيل العناد، فضلا عن أن ينطق به عن الاعتقاد. ونقل هذا النص ودعوى التواتر فيه كدعوى من نقل مضاده وهو أن الإمامة ليست لعلى بعدى وإنما هى لأبى بكر، وإنما تكون بعده بالاختيار والشورى؛ وأن من ادّعى النصّ أو اختصاص الإمامة بأولاده من سائر قريش فهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت