فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 196

وظنية ولكل واحد من القطع والظن مسلك يفضى إليه ويدل عليه. وتعلم ذلك ممن يعلمه، ولو من أفسق الخلق، ممكن، فإنه لا تقليد فيه، وإنما المتبع وجه الدليل.

وأما السمعيات فمسندها سماع: إما متواتر، وإما آحاد، والمتواتر تشترك الكافة في دركه، ولا فرق بين الإمام وبين غيره؛ والآحاد لا تفيد إلا ظنا، سواء كان المبلغ إليه أو المبلغ الإمام أو غيره. والعمل بالظن فيما يتعلق بالعمليات واجب شرعا، والوصول إلى العلم فيه ليس بشرط، ولذلك يجب عندهم تصديق الدعاة المنتشرين في أقطار الأرض، مع أنه لا عصمة لهم أصلا، وكذلك كان ولاة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في زمانه، فإذا لا حاجة إلى عصمة الإمام، فإن العلوم يشترك في تحصيلها الكل. والإمام لا يولد عالما ولا يوحى إليه، ولكنه متعلم. وطريق تعلم غيره كتعليمه، من غير فرق.

فإن قيل: فلما ذا نحتاج إلى الإمام إذ كان يستغنى عنه في التعليم؟ قلنا: ولما ذا يحتاج في كل بلد إلى قاض؟ وهل يدل الاحتياج إليه على أنه لا بدّ أن يكون معصوما؟ فيقولون؛ إنما نحتاج إليه لدفع الخصومات، وجمع شتات الأمور، وجزم القول في المجتهدات، وإقامة حدود الله تعالى، واستيفاء حقوقه وصرفها إلى مستحقيها إذ لا سبيل إلى تعطيلها، ولا سبيل إلى تفويضها إلى كافة الخلق فيتزاحمون عليها متقاتلين ويتكاسلون عنها متواكلين ومتخاذلين، فتعطل الأمور؛ فجملة الدنيا في حق الإمام كبلدة واحدة في حق القاضى، فكما يستغنى عن عصمة القاضى في البلد ويحتاج إلى قضائه فكذلك يستغنى عن عصمة الإمام ويحتاج إليه كما يحتاج إلى القضاة ولأمور أخر كلية سياسية: من حراسة الإسلام، والذب عن بيضته «1» والنضال دون حوزته، وحشد العساكر والجنود إلى أهل الطغيان والعناد، وتطهير وجه الأرض عن الطغاة والبغاة والساعين في الأرض بالفساد وملاحظة أطراف البلاد بالعين الكالئة، حتى إذا ثارت فتنة بادر إلى الأمر بتطفئتها، وإذا نبغت

(1) بيضة القوم: حوزتهم وحماهم؛ الذب عن بيضته: الدفاع عن حماه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت