فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 196

وإنما الّذي أفشاه سر عدو الله؛ وكذا قولهم: تنصر أقاربه وأتباعه. فكل ذلك يرجع إلى ولىّ الله ولا يرجع إلى من قصده المحلف لأنه عدو الله لا وليه، فأمّا إذا عين شخصا بالإشارة أو عرّفه باسمه الّذي يعرف به وقال: «تكتم سرى» أو قال: «تكتم سر فلان ولى الله» أو «سر هذا الشخص الّذي هو ولى الله» - فقد قال قائل: لا يحنث عند إفشاء السر نظرا إلى الصفة وإعراضا عن الإشارة، وقالوا هو كما لو قال: بعت منك هذه النعجة- والمشار إليه رمكة «1» فإنه لا يصح، والمختار عندنا أن الحنث يحصل والإشارة المعرفة المعينة التى لا يتطرق إليها الكذب بحال أعلى وأغلب من الوصف المذكور كذبا على وجه الفضول مع الاستغناء. وليس هذا كما لو قال: والله لأشربن ماء هذه الإداوة «2» ، ولا ماء فيها؛ إن اليمين لا تنعقد لأنه لا وجود لمتعلق اليمين. وكذلك لو ترك الإضافة إلى الإداوة وذكر قوله: هذا الماء، وأشار باليد، لم ينعقد لفقد المتعلق هاهنا، ولو اقتصر على قوله: «لا يفشى سرّ هذا الشخص أوسر زيد» - انعقد وإن سكت عن قوله إنه ولى الله.

ومهما انعقدت اليمين على هذا الوجه فيباح إفشاء السر، بل يجب إفشاء السر ثم تلزم الكفارة كفارة يمين، ويكفيه أن يطعم عشرة مساكين كل مسكين مدا من الطعام. فإن عجز عن هذا: صام ثلاثة أيام «3» . وما أهون الخطب في ذلك! ولا حاجة إلى التأنق في طلب الحيلة للخلاص من هذا القدر فإنه قريب محتمل، ثم لا يعصى بالحنث لقوله صلى اللّه عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الّذي هو خير وليكفر عن يمينه» «4» ؛ ومن حلف على أن يزنى ولا يصلى وجب عليه الحنث ولزمته الكفّارة؛ فهذا جار مجرى ذلك.

(1) الرمكة: الفرس والبرذونة تتخذ للنسل، والجمع رمك ورماك.

(2) الإداوة: إناء صغير يحمل فيه الماء؛ والجمع: أداوى.

(3) كفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين أو صوم ثلاثة أيام.

(4) رواه أحمد بن حنبل في «مسنده» ومسلم في «صحيحه» والترمذي في «السنن» عن أبى هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت