فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 196

والظواهر على المبايعة، فإن المقصود الّذي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء في مصطدم تعارض الأهواء، ولا تتفق الإرادات المتناقضة والشهوات المتباينة المتنافرة على متابعة رأى واحد إلّا إذا ظهرت شوكته وعظمت نجدته وترسّخت في النفوس رهبته ومهابته، ومدار جميع ذلك على الشوكة، ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين من معتبرى كل زمان.

فإذا بان أن هذا مأخذ الإمامة، فليس يتمارى في أن الجهة الشريفة التى ننصرها قد صرف الله وجوه كافة الخلق إليها وجبل قلوبهم على حبّها، ولذلك قامت الشوكة له في أقطار الأرض، حتى لو ظهر باغ يظهر خلافا في هذا الجناب الكريم، ولو بأقصى الصين أو المغرب، لبادروا إلى اختطافه وتطهير وجه الأرض منه، متقربين إلى الله تعالى.

وقد لاح لك الآن كيف ترقينا من هذه المغاصة المظلمة، وكيف دفعنا ما أشكل على جميع جماهير النظار من تعيين المقدار في عدد أهل الاختيار، إذ لم نعين له عددا، بل اكتفينا بشخص واحد يبايع، وحكمنا بانعقاد الإمامة عند بيعته، لا لتفرده في عينه، ولكن لكون النفوس محمولة على متابعته ومبايعة من أذعن هو لطاعته، وكان في متابعته قيام قوة الإمام وشوكته، وانصراف قلوب الخلائق إلى شخص واحد أو شخصين أو ثلاثة على ما تقتضيه الحال في كل عصر، ليس أمرا اختياريا يتوصّل إليه بالحيلة البشرية، بل هو رزق إلهى يؤتيه الله من يشاء، فكأنا في الظاهر رددنا تعيين الإمامة إلى اختيار الله تعالى ونصبه؛ إلا أنه قد يظهر اختيار الله عقيب متابعة شخص واحد أو أشخاص. وإنما المصحح لعقد الإمامة انصراف قلوب الخلق لطاعته والانقياد له في أمره ونهيه، وهذه نعمة وهدية من الله تعالى. فإذا أتاحها لعبد من عباده وصرف إلى محبته وجوه أكثر خلقه، كان ذلك من الله تعالى لطفا في اختياره لخلافته وتعيينه للاقتداء بأوامره في تفقد عباده، وذلك أمر لا يقدر كل البشر على الاحتيال لتحصيله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت