فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 196

عليها، والدليل إما نص من صاحب الشرع، وإما النظر في المصلحة التى طلبت الإمامة لها ولم يرد النص من شرائط الإمامة في شي ء إلا في النسب إذ قال: «إن الأئمة من قريش» ! «1» ، فأما ما عداه فإنما أخذ من الضرورة والحاجة الماسة في مقصود الإمامة إليها، فهذا كما شرطنا: العقل، والحرية، وسلامة الحواس، والهداية، والنجدة، والورع، فإن هذه الأمور لو قدر عدمها لم ينتظم أمر الإمامة بحال من الأحوال. وليست رتبة الاجتهاد مما لا بدّ منه في الإمامة ضرورة، بل الورع الداعى إلى مراجعة أهل العلم فيه كاف، فإذا كان المقصود ترتيب الإمامة على وفق الشرع فأىّ فرق بين أن يعرف حكم الشرع بنظره، أو يعرفه باتباع أفضل أهل زمانه؟! وإذا جاز للمجتهد أن يعوّل على قول واحد، ويروى له حديثا فيحكم به، إماما كان أو قاضيا، فما المانع من أن يحكم بما يتفق عليه العلماء في كل واقعة؟ وإن اختلف فيتبع فيه قول الأفضل الأعلم، ولم لا يكون مكملا بأفضل أهل الزمان مقصود العلم، كما كمّل بأقوى أهل الزمان مقصود الشوكة، وبأدهى أهل الزمان وأكفاهم رأيا ونظرا مقصود الكفاية، فلا تزال دولته محفوفة بملك من الملوك قوىّ يمدّه بشوكته، وكاف من كفاة الزمان يتصدى لوزارته فيمده برأيه وهدايته، وعالم مقدم في العلوم يفيض ما يلوح من قضايا الشرع في كل واقعة إلى حضرته، هذا لو قال به قائل لكان مستمدا من قواطع الأدلة والبراهين التى يجوز استعمالها في مظانّ القطع واليقين، فكيف في مواقع الظن والتخمين!

وأكثر مسائل الإمامة وأحكامها مسائل فقهية ظنية يحكم فيها بموجب الرأى الأغلب. وما ذكرته مسلك واضح فيه، ولكنى لا أوثر الإعزاب عن الماضين ولا الانحراف عن جادة الأئمة المنقرضين، فإن الانفراد بالرأى والانسلال عن موافقة الجماهير لا ينفك عن إثارة نفرة القلوب، لكنى أستميح مسلكا مقتبسا من كلام الأئمة المذكورين وأقول:

(1) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت