فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 196

وطهارته في أن يطهر عن حب الدنيا لقوله صلى اللّه عليه وسلم: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» «1» ، وهذا هو الداء الّذي أعجز الخلق.

ومن ظنّ أنه يقدر على الجمع بين التنعم في الدنيا والحرص على ترتيب أسبابها، وبين سعادة الآخرة فهو مغرور؛ كمن يطمع في الجمع بين الماء والنار، لقول أمير المؤمنين رضى الله عنه: الدنيا والآخرة ضرّتان: مهما أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى. نعم! لو كان الإنسان يشتغل بالدنيا لأجل الدين، لا لأجل شهوته، كمن يصرف عمره إلى تدبير مصالح الخلق شفقة عليهم، أو يصرف بعض أوقاته إلى كسب القوت، ونيّته في كسب القوت إلى أن يتقوى بتناوله على الطاعة والتقوى فهذا من عين الدين، وعلى هذا المنهاج جرى حرص الأنبياء والخلفاء الراشدين في أمور الدنيا.

ومهما ثبت أن الزاد هو التقوى، وأن التقوى شرطها خلو القلب عن حبّ الدنيا، فليكن الجهد في تخليته عن حبّها، وطريقه أن يعرف الإنسان عيب الدنيا وآفتها، ويعرف شرف السعادة في الدار الآخرة وزينتها، ويعلم أن في مراعاة الدنيا الحقيرة فوت الآخرة الخطيرة، وأقلّ آفات الدنيا، وهى مستيقنة لكل عاقل وجاهل، أنها منقضية على القرب، وسعادة الآخرة لا آخر لها، هذا إذا سلمت الدنيا صافية عن الشوائب والأقذاء «2» خالية من المؤذيات والمكدّرات، وهيهات هيهات! فلم يسلم أحد في الدنيا من طول الأذى ومقاساة الشدائد، ومهما عرف تصرم الدنيا وتأبّد السعادة في العقبى فليتأمل أنه لو شغف إنسان بشخص واستهتر «3» به وصار لا يطيق فراقه، وخيّر بين أن يعجل لقاءه ليلة واحدة وبين أن يصبر عنه تلك الليلة مجاهدا نفسه ثم يخلى بينه وبينه ألف ليلة- فكيف لا يسهل عليه الصبر ليلة واحدة لتوقع التلذذ بمشاهدته ألف ليلة! ولو استعجل تلك الليلة وعرض نفسه لعناء المفارقة

(1) رواه أحمد.

(2) الأقذاء: الأوساخ، مفرده: قذى.

(3) استهتر به: تولع وتعلق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت