فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 196

الإنسان كفرسه، وغضبه ككلبه، فإن كان الفارس حاذقا والفرس مروضا والكلب مؤدّبا ومعلما فهو قمين بإدراك حاجته من الصيد، ومتى كان الفارس أخرق وفرسه جموحا أو حرونا وكلبه عقورا فلا فرسه ينبعث تحته منقادا، ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعا، فهو قمين أن يعطب، فضلا أن يدرك ما طلب.

ومهما جاهد الإنسان فيها هواه، فله ثلاثة أحوال: الأول: أن يغلبه الهوى فيتبعه ويعرض عن الشرع كما قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [الجاثية: 23] ؛ الثانى: أن يغالبه فيقهره مرة ويقهره الهوى أخرى، فله أجر المجاهدين، وهو المراد بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «جاهدوا هواكم كما تجاهدوا أعداءكم» «1» ؛ الثالث: أن يغلب هواه ككثير من الأنبياء وصفوة الأولياء، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما من أحد إلا وله شيطان، وإن الله قد أعاننى على شيطانى حتى ملكته» «2» . وعلى الجملة فالشيطان يتسلط على الإنسان بحسب وجود الهوى فيه، وإنما مثلت الشهوة بالفرس والغضب بالكلب لأنه لولاهما لما تصورت العبادة المؤدية إلى سعادة الآخرة، فإن الإنسان يحتاج في عبادته إلى بدنه ولا قيام إلا بالقوت، ولا يقدر على الاقتيات إلا بشهوة، وهو محتاج إلى أن يحرس نفسه عن الهلكات بدفعها؛ ولا يدفع المؤذى إلا بداعية الغضب، فكأنهما خادمان لبقاء البدن؛ والبدن مركب النفس، وبواستطهما يصل إلى العبادة، والعبادة طريقه إلى النجاة.

الوظيفة الرابعة: أن يعرف أن الإنسان مركّب من صفات ملكية وصفات بهيمية، فهو حيران بين الملك والبهيمة، فمشابهته للملك بالعلم والعبادة والعفة والعدالة والصفات المحمودة؛ ومشابهته للبهائم بالشهوة والغضب والحقد والصفات المذمومة. فمن صرف همته إلى العلم والعمل والعبادة فخليق أن يلحق بالملائكة فيسمى ملكا وربانيا كما قال تعالى: إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: 31] . ومن صرف همته إلى اتباع الشهوات واللذات البدنية يأكل كما تأكل البهائم فخليق أن

(1) رواه ابن ماجة والبيهقى.

(2) رواه البخارى ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت