وهذا الخطر ثابت في أن يفرق الأمير بين نفسه وبين رعيته في الترفّه بالمباحات، فقد روى أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم جلس يوم بدر في الظل، فنزل جبريل فقال: «يا محمد! أنت في الظل وأصحابك في الشمس!» وروى عن عمر رضى الله عنه أنه قال: «ويل لديان أهل الأرض من ديّان أهل السماء، يوم يلقونه، إلا من أمر بالعدل وقضى بالحق ولم يقض بهوى ولا قرابة ولا رهبة ولا رغبة، ولكن جعل كتاب الله مرآة بين عينيه» .
وأقل الأمور حاجة الإمام إلى تخويف بحكم السياسة، وقد روى ابن عمر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: «من نظر إلى مؤمن نظرة يخيفه بها في غير حق أخافه الله تعالى بها يوم القيامة» . وروى أنس بن مالك أنه صلى اللّه عليه وسلم قال: «يؤتى بالولاة يوم القيامة فيقول الرب تعالى: أنتم كنتم رعاة غنمى وخزان أرضى، فيقول لهم: ما حملكم على أن جلدتم فوق ما أمرتم؟ فيقول: أى رب! غضبت لك. فيقول: أ ينبغي لك أن تكون أشد غضبا منى؟ ويقول للآخر: ما حملك على أن جلدت دون ما أمرت؟ فيقول: أي رب! رحمته. فيقول: أ ينبغي لك أن تكون أرحم منى؟ - خذوا المقصر عن أمرى والزائد على أمرى فسدوا بهما أركان جهنم» . وبهذا الحديث يتبين أنه لا ينبغى أن نفزع إلا إلى الشرع، وأنه لا شي ء أهم للأئمة من معرفة أحكام الشرع. وروى عن «حذيفة» أنه قال: ما أنا بمثن على وال خيرا، عادلهم وجائرهم، فقيل له: لم؟
قال: سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول: «يؤتى بالولاة يوم القيامة عادلهم وجائرهم فيوقفون على الصراط، فيوحى الله تعالى إلى الصراط فيزحف بهم زحفة لا يبقى جائر في حكمه ولا مرتش في قضائه ولا ممكن سمعه لأحد الخصمين ما لم يمكن للآخر إلا زالت قدماه سبعين عاما في جهنم» . وروى أن داود صلى اللّه عليه وسلم كان يخرج متنكرا يطوف في الآفاق يسأل عن سيرة داود فيهم، فتعرض له جبريل صلى اللّه عليه وسلم على صورة آدمى، فسأله عن سيرته، فقال جبريل: نعم الرجل داود، ونعم السيرة سيرته غير أنه يأكل من بيت مال المسلمين ولا يأكل من كدّ يده، فرجع باكيا متضرعا إلى