فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 196

وقد حكى أن هارون الرشيد قصد الفضيل بن عياض «1» ليلا مع العباس في داره، فلما وصل إلى بابه سمع قراءته وهو يقرأ: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [الجاثية: 21] فقال هارون للعباس: «إن انتفعنا بشي ء فبهذا» . فدق العباس الباب وقال: أجب أمير المؤمنين، قال: وما يعمل عندى أمير المؤمنين؟ فقال: أجب إمامك. ففتح الباب وأطفأ سراجه وجلس في وسط البيت في الظلمة، فجعل هارون يطوف حتى وقعت عليه يده فقال: آه من يد ما ألينها إن نجت من عذاب الله يوم القيامة! فجلس وقال: «يا أمير المؤمنين! استعد لجواب الله تعالى يوم القيامة فإنك تحتاج أن تتقدم مع كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة» . فجعل هارون يبكى.

فقال العباس: اسكت فقد قتلت أمير المؤمنين. فقال: يا هامان «2» تقتله أنت وأصحابك وتقول لى أنت قتلته؟! فقال هارون: ما سماك هامان إلّا وجعلنى فرعون، فقال له هارون: هذا مهر والدتى ألف دينار تقبلها منى. فقال: يا أمير المؤمنين! لا جزاك الله إلا جزاءك، أقول لك ردها على من أخذتها منه، وتقول لى: خذها أنت؟! فقام وخرج.

وقد حكى عن محمد بن كعب القرظى «3» أنه قال له عمر بن عبد العزيز: صف لى العدل! فقال: يا أمير المؤمنين! كن لصغير المسلمين أبا، وللكبير منهم ابنا، وللمثل أخا؛ وعاقب كل واحد منهم بقدر ذنبه على قدر جسمه؛ وإياك أن تضرب بغضبك سوطا واحدا فتدخل النار. وقد حكى عن الحسن «4» أنه كتب إلى عمر بن

(1) أبو على الفضيل بن عياض التميمى المروزى، زاهد وأحد العلماء الأعلام، حدث عنه الشافعى ويحيى القطان وغيرهما، ولد بسمرقند وقدم الكوفة شابا ثم جاور بمكة إلى أن مات سنة 187 ه.

(2) هامان: كبير وزراء فرعون.

(3) محمد بن كعب القرظى، الكوفى المولد والمنشأ، عاش في مكة؛ وروى عن كبار الصحابة؛ ويقال إنه ولد في حياة النبي؛ وقال عنه الذهبى إنه كان كبير القدر، ثقة، موصوفا بالعلم والصلاح والورع. توفى في سنة 108 ه، وقيل في سنة 117 ه.

(4) المقصود هو الحسن البصرى، إمام أهل البصرة ولد سنة 21 ه، وتوفى سنة 110 ه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت