فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 196

موجودا، وهو عين النفى مع تغيير العبارة؛ لكنهم تحذقوا «1» فسمّوا هذا النفى تنزيها، وسموا مناقضه تشبيها، حتى تميل القلوب إلى قبوله.

ثم قالوا: العالم قديم، أى وجوده ليس مسبوقا بعدم زماني؛ بل حدث من السابق: التالى وهو أول مبدع، وحدث من المبدع الأول النفس الكلية الفاشية جزئياتها في هذه الأبدان المركبة، وتولد من حركة النفس الحرارة، ومن سكونها البرودة؛ ثم تولد منهما الرطوبة واليبوسة؛ ثم تولدت من هذه الكيفيات الاستقصات الأربع وهى: النار والهواء والماء والأرض؛ ثم إذا امتزجت على اعتدال ناقص حدثت منها المعادن؛ فإن زاد قربها من الاعتدال وانهدم صرفية التضاد منها تولد منها النبات، وإن زاد تولد الحيوان، فإن ازداد قربا تولد الإنسان، وهو منتهى الاعتدال.

فهذا ما حكى من مذهبهم إلى أمور أخر هى أفحش مما ذكرناه لم نر تسويد البياض بنقلها ولا تبيان وجه الرد عليها لمعنيين: (أحدهما) أن المنخدعين بخداعهم وزورهم والمتدلين بحبل غرورهم في عصرنا هذا لم يسمعوا هذا منهم، فينكرون جميع ذلك إذا حكى من مذهبهم، ويحدثون في أنفسهم أن هؤلاء إنما خالفوا لأنه ليس عندهم حقيقة مذهبنا؛ ولو عرفوها لوافقونا عليها، فنرى أن نشتغل بالرد عليهم فيما اتفقت كلمتهم وهو إبطال الرأى والدعوة إلى التعلم من الإمام المعصوم، فهذه عمدة معتقدهم، وزبدة مخضهم، فلنصرف العناية إليه، وما عداه فمن سقم إلى هذيان ظاهر البطلان، وإلى كفر مسترق من الثنوية والمجوس في القول بالإلهين، مع تبديل عبارة: «النور والظلمة» ب «السابق والتالى» ؛- إلى ضلال منتزع من كلام الفلاسفة في قولهم إن المبدأ الأول علة لوجود العقل على سبيل اللزوم عنه، لا على سبيل القصد والاختيار؛ وإنه حصل من ذاته بغير واسطة سواه.

نعم! يثبتون موجودات قديمة يلزم بعضها عن بعض، ويسمونها عقولا، ويحيلون

(1) تحذقوا: مهروا- ولعلها: تحذلقوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت