فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 196

قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: 79] . ومن تأمل عجائب الصنع في خلق الأدمى من نطفة قذرة لم يستبعد من قدرة الله شيئا وعرف أن الإعادة أهون من الابتداء «1» .

فإن قيل: الإعادة غير معقولة، والابتداء معقول، إذ ما عدم كيف يعود؟ - قلنا: لنفهم الابتداء حتى نبنى عليه الإعادة، ورأى المتكلمين فيه أن الابتداء يخلق الحياة في جسم من الأجسام، مع أن الحياة عرض يتجدد ساعة فساعة بخلق الله تعالى؛ فلا يستحيل- على أصلهم- الإمساك عن خلق الحياة مدة في الجسم ثم يعود إلى خلق الحياة كما لا يستحيل خلق الحركة بعد السكون والسواد بعد البياض، ورأى الفلاسفة أن قوام الحياة استعداد جسم مخصوص- بنوع من الاعتدال- إلى الانفعال عن النفس التى هى جوهر قائم بنفسه غير متحيز ولا متجسم ولا هو منطبع في جسم لا علاقة بينه وبين الجسم إلا بالفعل فيه، ولا علاقة بين الجسم وبينه إلا بالانفعال عنه، ومعنى الموت: انقطاع هذه العلاقة الفعلية ببطلان استعداد الجسم، فإنه لا يستعد للانفعال إلا إذا كان على مزاج مخصوص، كما لا يستعد الحديد لانطباع الصورة المحسوسة فيه أو انعكاس الأشعة عنه إلا إذا كان على هيئة مخصوصة؛ فإذا بطلت تلك الهيئة لم ينفعل الحديد عن الصورة المحاذية له ولم ينطبع فيه، فإذا كان هذا مذهبهم، فالقادر على إحداث العلاقة بين نفس، لا تتجسم ولا تختص بمكان ولا توصف بأنها متصلة بالجسم ولا بأنها منفصلة عنه، وبين الجسم الّذي لا تناسبه بحقيقتها ولا تتصل به اتصالا محسوسا- كيف يعجز عن إعادة تلك العلاقة! والعجب أن أكثرهم جوزوا إثبات تلك العلاقة مع جسد آخر، على طريق التناسخ، فلم لا يجوز عودها إلى جسدها؟! فإن الجسد الّذي فسد مزاجه لأبعد في أن يصلح مزاجه وتعاد تلك العلاقة إليه، فيكون ذلك هو المراد بالإعادة، ويضاهى التيقظ بعد المنام فإنه يعيد حركة الحواس وتذكر الأمور السالفة.

(1) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الروم وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [آية: 27] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت