فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 196

يتناقض الكلام، فإن قيل: فإذا رأيتم كل واحد مصيبا فليجز للمجتهد أن يأخذ بقول خصمه ويعمل به لأنه مصيب، وليجز للمقلد أن يتبع من شاء من الأئمة المجتهدين. قلنا: أما اتباع المجتهد لغيره فخطأ؛ فإن حكم الله عليه أن يتبع ظن نفسه، وهذا مقطوع به، فإذا اتبع ظن غيره فقد أخطأ في مسألة قطعية أصولية، وعرف ذلك بالإجماع القاطع، وأما خبر المقلدين الأئمة فقد قال به القائلون، ولكن المختار عندنا أنه يجب أن يقلد من يعتقد أنه أفضل القوم وأعرفهم. ومستند اعتقاده إما تقليد سماعى من الأبوين، وإما بحث عامى عن أحواله، وإما تسامع عن ألسنة الفقهاء، وبالجملة يحصل له ظن غالب من هذه المستندات، فعليه اتباع ظن نفسه، كما على المجتهد اتباع ظن نفسه. وهذا ليس بكلي في الشرع لأن الشرع يشتمل على مصلحة جزئية في كل مسألة، وعلى مصلحة كلية في الجملة. أما الجزئية فما يعرف عنها دليل كل حكم وحكمته، أما المصلحة الكلية فهى أن يكون كل مكلف تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع حركاته وأقواله واعتقاداته، فلا يكون كالبهيمة المسيبة تعمل بهواها، حتى يرتاض بلجام التقوى وتأديب الشرع وتقسيمه إلى ما يطلقه وإلى ما يحجر عليه فيه، فيقدم حيث يطلق الشرع ويمتنع حيث يمنع، ولا يتخذ إلهه هواه ويتبع فيه مناه. ومهما خبرنا المقلدين في مذاهب الأئمة ليستمد منها أطيبها عنده اضطرب القائلون في حقه فلا يبقى له مرجع إلا شهوته في الاختيار، وهو مناقض للغرض الكلى؛ فرأينا أن نحصره في قالب وأن نضبطه بضابط وهو رأى شخص واحد لهذا المعنى.

ولهذا اختلفت قوانين الأنبياء في الأعصار بالإضافة إلى التفصيل، ولم تختلف في أصل التكليف ودعوة الخلق عن اتباع الهوى إلى طاعة قانون الشرع، فهذا ما نراه مختارا في حق آحاد المقلدين. هذا أحد الرأيين وهو أن كل مجتهد مصيب.

ومن رأى أن المصيب واحد، فلا تناقض أيضا في كلامه. وقوله: بم يأمن من إمكان الخطأ؟ - قلنا: أو لا تعارضهم. فمن كان مسكنه بعيدا عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وكان يعول على قول الواحد، وكذا من مسكنه بعيد عن معصومكم بينه وبينه البحار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت