فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 196

أما (المقدمة الثانية) وهى قولهم: إذا بان أن المدعى للعصمة مهما كان واحدا وقع الاستغناء عن الاستدلال على كونه معصوما؛ فصاحبنا إذا هو المدعى للعصمة وحده؛ فإذا هو الإمام المعصوم؛ فهذه مقدمة نكذبهم فيها، ولا نسلم أن صاحبهم يدعى لنفسه العصمة، فإنا لم نسمعه البتة، ولم يتواتر إلينا من لسان من سمعه منه، بل إنما سمع ذلك من آحاد دعاتهم وليسوا معصومين ولا هم بالغون حدّ التواتر، ولو أنهم بلغوا حد التواتر فلا يحصل العلم بقولهم وخبرهم لوجهين: أحدهما أن المشافهين لهذه الدعوة من جهة صاحبهم قليل، فإنه محتجب لا يظهر إلا للخواص، ثم لا يشافه بالخطاب إلا خواص الخواص، ثم لا يفشى هذه الدعوة إلا مع خاص من جملة خواص الخواص، فالذين يسمعون عنه لا يبلغون عدد التواتر؛ وإن بلغوا فكلهم إن انتشروا لم يكن في بلدة منهم إلا واحد؛ وأكثر البلاد أيضا يخلو عن آحادهم.

الوجه الثانى: أنهم وإن بلغوا حد التواتر فقد شرط التواتر في خبرهم، إذ شرط ذلك الخبر ألا يتعلق بواقعة ينتشر التواطؤ فيها من طائفة كبيرة لمصلحة جامعة لهم، كما يتعلق بالسياسات. فإن أهل معسكر واحد قد يجمعهم غرض واحد فيحدثون على التطابق بشي ء واحد، ولا يورث ذلك العلم، ورب واحد أو اثنين يخبر عن أمر فيعلم أنه لا يجمعهما غرض فيحصل له العلم، وهؤلاء الدعاة لعلهم قد تواطئوا على هذا الاختراع ليتوصلوا به إلى استتباع العوام واستباحة أموالهم، فيتوصلون بها إلى آمالهم.

وعلى الجملة فحسن الظن بصاحبهم يقتضي تكذيبهم، فإنهم لو حدثوا بذلك عن مريض في دار المرضى لاعتقدنا كذبه، إلا أن يعتقد الجنون في ذلك المريض، إذ لا يدعى عاقل العصمة عن المحرمات وتناول المحظورات مع مشاهدة أهل العلم تناوله لها ومباشرته لها، فأقل آثار العقل الحياء عن فضيحة الاجتراء؛ ومن تحلى بغير ما هو فيه، وكان ذلك جليا ظاهرا لمن يتأمل فيه، استدل به على اختلال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت