فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 196

بكذب العلوم النظرية؛ فإن العقل إن صدق في الضروريات، فما بال عقل السوفسطائية كذب؛ وما الفرق بين عقلكم وعقلهم؟ أ فتقولون إن ذلك منهم حماقة وسوء مزاج؟ - قلنا: وكذلك حالكم في إنكار النظريات، وهو كمن ينكر الحسابيات من العلوم؛ فإنه لا يشككنا في البراهين الحسابية وإن كان البليد لا يفهم، ومنكر النظر أصلا يجحده؛ ولكن طريقنا معه أن نورد عليه المقدمات، وهى ضرورية، فإذا أدركها أدرك النتيجة فكذلك خصمنا إذا كذبنا في مسألة من المسائل كإنكار ثبوت واجب الوجود عرضنا عليه مقدمات القياس الدالة عليه وقلنا: أ تمارى في قولنا: لا شك في أصل الوجود؟ أو في قولنا: إن كل موجود إما جائز وإما واجب؟ أم في قولنا: إن كان واجبا فقد ثبت واجب الوجود؟ أم في قولنا: إن كان جائزا فكل جائز مستند إلى واجب الوجود في آخر الأمر لا محالة؟ - وإذا لم يمكنه التشكك في المقدمات لم يمكنه التشكك في النتيجة، وإنما يختلف الناس فيها لأن الفطرة غير كافية في تعريف الترتيب لهذه المقدمات، بل لا بدّ من تعلمها من الأفاضل، وذلك الفاضل لا بدّ أن يكون تعلم أكثرها أو استأثر باستنباط بعضها، وهكذا حتى ينتهى الأمر إلى معلم معصوم هو نبى موحى إليه من جهة الله تعالى، هكذا تكون العلوم كلها.

فإن زعموا أنكم اعترفتم بالحاجة إلى المعلم ومن لم يعترف فهو معاند للمشاهدة، فالافتقار إليه معترف به، ولكنه كالافتقار إليه في علم الحساب، فإنه لا يحتاج فيه إلى معصوم، إذ لا تقليد فيه، ولكن يحتاج إلى حاسب ينبه على طريق النظر، فإذا تنبه المعلم ساوى المعلم في العلم الضرورى المستفاد من المقدمات بعضها على بعض. ولا شك في أن معلم الحساب أيضا يعلم أكثر مما يعلّم، وإن استقل باستنباط ترتيب البعض، وكذا القول في معلم المعلم إلى أن ينتهى مبدأ العلم الحسابى إلى نبى من الأنبياء مؤيد بالوحى والمعجزة، ولكن بعد إفاضة الله علم الحساب فيما بين الخلق استغنى في تعلمه عن معلم معصوم، فكذا العلوم العقلية النظرية، ولا فرق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت