الصفحة 15 من 58

الثالث: السعي بالنميمة وإغراء بعض الناس ببعض:

وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم النميمة بالعضه؛ ففي صحيح مسلم عن عبدالله بن مسعود قال: (ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس) ، قال أبو الخطاب في عيون المسائل:"ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس" [1]

والنميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش بين الناس وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه،"فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس وائتلاف كلمة المسلمين؛ كما جاء في الحديث (ليس بالكذاب من ينمي خيرًا) , أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة، فهذا أمر مطلوب؛ كما جاء في الحديث (الحرب خدعة) ، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريق كلمة الأحزاب وبني قريظة؛ جاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك فتناكرت النفوس وافترقت، وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء ذو البصيرة النافذة، والله المستعان. [2] "

الرابع: تعليق القلب:

وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإِذا اتفق أن يكون السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة، فإذا ما حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.

(قلت) هذا النمط يقال له التنبلة، وإِنما يروج على ضعفاء العقول من بني آدم. وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه؛ فإذا كان المتَنْبِلُ حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره. [3]

الخامس: البيان

عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من البيان لسحرًا) ، قال صعصعة بن صوحان:"صدق نبي الله؛ فإن الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق".

يعني لتضمنه التخييل، فيخيل الباطل بالحق، وإنما عنى بالبيان المفاخرة والخصومات بالباطل، كما يدل عليه أصل القصة في التميميين اللذين تفاخرا عنده بأحسابهما وطعن أحدهما بحسب الآخر ونسبه. وأما البيان بالحق لنصرة الحق فهو فريضة على كل مسلم ما استطاع لذلك سبيلا [4]

وقد قسم بعض أهل العلم السحر إلى أنواع أخرى؛ منها: سحر الخمول, سحر الهواتف, سحر المرض، سحر المحبة (التولة) ، سحر التفريق، سحر النزيف (الاستحاضة) ، سحر التخييل، سحر الجنون، سحر تعطيل الزواج.

ومن أنواع السحر العقد والنفث: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر) ، ومن السحر: زجر الطير، والخط بالأرض، والطيرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (العيافة والطيرة والطرق من الجبت) ، رواه أبو داود وأحمد. والعيافة: هي زجر الطير والتفاؤل بأصواتها وممرها وبأسمائها, والطرق: هو الخط بالأرض، قال ابن الأثير:"هو الضرب بالحصى الذي يفعله النساء"، والطيرة: أصلها التطير بالطير والظباء، وهي من الشرك المنافي لكمال التوحيد الواجب؛ لكونها من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته، والجبت: هو السحر، قاله عمر رضي الله عنه، وابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم [5]

فَهَذِهِ أَنْوَاعُ السِّحْرِ قَدْ تَقَعُ بِلَفْظٍ هُوَ كُفْرٌ، أَوْ اعْتِقَادٍ هُوَ كُفْرٌ، أَوْ فِعْلٍ هُوَ كُفْرٌ، فَالْأَوَّلُ: كَالسَّبِّ الْمُتَعَلِّقِ بِمَنْ سَبُّهُ كُفْرٌ، وَالثَّانِي: كَاعْتِقَادِ انْفِرَادِ الْكَوَاكِبِ أَوْ بَعْضِهَا بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَالثَّالِثِ: كَإِهَانَةِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعْظِيمَهُ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِ؛ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَتَى وَقَعَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي السِّحْرِ فَذَلِكَ السِّحْرُ كُفْرٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ [6] ، ومتى وقعت هذه الأنواع بشيء مباح، لم يكن ذلك السحر كفرًا، بل

(1) فتح المجيد. ص/253

(2) ابن كثير. تفسير القرآن العظيم, ج/1. ص/205

(3) ابن كثير. تفسير القرآن العظيم، ج/1. ص/204

(4) حافظ الحكمي, معارج القبول. م1.ص/379

(5) فتح المجيد. ص/250

(6) القرافي. أنوار البروق في أنواع الفروق, الفرق 242

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت