الصفحة 48 من 58

فالتوسل بالسحر المحرم المشتمل على أقوال أو أفعال أو اعتقادات كفرية, والتداوي به، والعدول عن الوسائل المباحة استعجالا للشفاء ... هو أمر لا يستدل عليه بهذه القاعدة؛ لأنه مستثنى من القاعدة, ولا سبيل لهم للاحتجاج بها على ذلك؛ لأن السحر وسيلة في ذاتها محرمة بل كفر في أصلها.

5 -قال ابن حجر: إن قصد بها خيرًا كان خيرًا، وإلا فهو شر.

أي بحسب النية؛ لكن أهل العلم قرروا أن هناك أفعالا لا تتبدل أحكامها باختلاف القصد أو النية، ولا شك أن الكفر هو في مقدمة الأشياء التي لا يتبدل حكمها، وإن قيل: النطق بالكفر يجوز كما في حال الفرار به من القتل فكذلك السحر؟ نقول: يختلف هذا؛ لأن الفرار به من القتل متيقن ومباح بالنص، لكن الاستشفاء بالسحر متوهم وغير متيقن وحرم بالنص، فاختلفا في الحكم، ثم إن النطق بكلمة الكفر لا يتعدى اللسان والقلب مطمئن بالإيمان, أما الاستعانة بالساحر فإن القلب عند ذلك يدخل عليه شيء قل أو كثر من التوكل عليهم واعتقاد مقدرتهم الخاصة فلذلك افترقا.

6 -وفي مبحث شروط صحة وسلامة النية يقول الفقهاء: لا بد أن لا يتنافى المنوي مع الشرع، أي عدم التوصل للمنوي -الذي هو رفع الضرر بالسحر- بسبب منع منه الشرع، والشارع قد نفى مطلقًا المنفعة من السحر بوجه من الوجوه، فكيف ينوى بالسحر النفع ورفع الضرر؟ وان كان هناك نفع فهو وقتي زائل وتعقبه ندامة وحسرة وعقاب، فكان من المُفترض أن لا تترك النصوص الظاهرة الجلية وتستبعد الأدلة الشاملة للفرع والضابطة لحكمه، ويحتج بقاعدة فقهية يظهر بالبرهان أنها وُضِعتْ في غير محلها، وأنها لا ترجح ما اختاروه إطلاقًا.

سابعا: قالوا: إن مسألة فك السحر بالسحر قد تعرض لها علماء أجلاء من السلف وقالوا بجوازها؛ كالإمام أحمد، وابن الجوزي، والإمام البخاري، وابن حجر، والطبري، وابن بطال، والشعبي، وبعض علماء الحنابلة؛ رحمهم الله تعالى جميعًا.

وهذا مرود عليه؛ لأن الأصل أن لا يقدم قول أحد البشر على قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء, أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟)

قال الإمام مالك:"ما منا إلا رادّ ومردود عيه، إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم"، وكلام الأئمة في هذا المعنى كثير. وما زال العلماء يجتهدون في الوقائع؛ فمن أصاب فله أجران, ومن أخطأ فله أجر كما في الحديث, لكن إذا استبان لهم الدليل أخذوا به وتركوا اجتهادهم، وعلى هذا فيجب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت