الصفحة 49 من 58

الإنكار على من ترك الدليل لقول أحد العلماء كائنًا من كان، قال أبو حنيفة رحمه الله:"إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين, وإذا جاء عن الصحابة رضي الله عنهم فعلى الرأس والعين, وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال"، فالواجب على كل مكلف إذا بلغه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله، وفهم معنى ذلك أن ينتهي إليه ويعمل به، وإن خالفه من خالفه؛ كما قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] ، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51] ، فيجب على من نصح نفسه إذا قرأ كتب العلماء، ونظر فيها، وعرف أقوالهم، أن يعرضها على ما في الكتاب والسنة. والأئمة رحمهم الله لم يقصروا في هذا البيان, بل نهوا عن تقليدهم إذا استبانت السنة؛ لعلمهم أن من العلم شيئًا لم يعلموه وقد يبلغ غيرهم, قال أبو حنيفة: إذا قلت قولا وكتاب الله يخالفه فاتركوا قولي لكتاب الله، وقال الربيع: سمعت الشافعي -رحمه الله- يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت. [1]

وأما قولهم: إن الإمام أحمد يجيزه فهذا خطأ؛ لأنه لما سئل عن الرجل يحل السحر قال: قد رخص فيه بعض الناس، قيل: إنه يجعل في الطنجير ماء، ويغيب فيه، فنفض يده وقال: لا أدري ما هذا، قيل له: أترى أن يؤتى مثل هذا؟ قال: لا أدري ما هذا. وهذا دليل على أنه لا يجيزه.

ومما يمكن أن يُستدل به على عدم جواز فك السحر بالسحر أمور:

أ- المجيزون اجتهدوا فرأوا أن في النشرة السحرية علة التداوي فأباحوها لهذه العلة, والمانعون يرون أن فيها علة الأقوال والأفعال والاعتقادات الكفرية، فالذي دعاهم إلى المنع هذه العلة, ويقول الشيرازي في التبصرة: [2] "إذا كانت إحدى العلتين تقتضي الحظر والأخرى تقتضي الإباحة، فالتي تقتضي الحظر أولى، ولأن الحظر أحوط؛ لأن في الإقدام على المحظور إثمًا، وليس في ترك المباح إثم"، فهذا هو الفيصل في أمور الاجتهاد، والحق الذي لا بد أن يتأمله المجتهد ولا يغفل عنه؛ لأنه موقع عن الله جلا جلاله.

(1) عبد الرحمن آل الشيخ, فتح المجيد شرح كتاب التوحيد. (ص340/ 373)

(2) التبصرة في أصول الفقه, لإبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي, ص484.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت