الصفحة 52 من 58

والمجيزون يثبتون ويسلمون بكفر من أتى الساحر لإضرار أحد الخلق، وهو كفر لا يخرج عن الملة في المشهور عن الإمام أحمد، لكن من قصدَ السحرة للتداوي وحل السحر فاستعان بهم على ذلك في حال الضرورة -كما يقولون- يرون أنه لا يدخل في الحكم، فينازعون في إثبات الحكم عليه؛ لأنه كما يرون هم أنه لم يذهب ليضر أحدًا بذلك، فلم يقصد أن يفرق بين المتحابين ولم يؤذ أحدًا, إذن .. ألا يلزم من قولهم هذا أن تكون علة المنع في الذهاب هي قصد الإضرار, فبزوالها يزول المنع.

والشرع والعقل يتفقان في عدم قبول أن هذه العلة هي التي قصدها الشارع؛ لأن أحكام الشرع كلها حق وعدل لا ظلم فيه, ولأن الحكم على الشخص بالكفر بالقرآن أمر عظيم، ليس بالهين أن يطلق على المسلم الموحد إلا إن كان بسبب قوي يستدعي ويوجب ذلك, بل إن الاستعانة بأهل وأرباب الكفر، وبأعمالهم ورقاهم وعزائمهم وطلاسمهم الشركية بحد ذاته هو السبب والعلة التي قصدها الشارع في النهي، فهي تتناسب مع حكم الكفر المنصوص.

والعلة الصحيحة عند الأصوليين لا بد لإثباتها من شروط منها أن تكون العلة مطردة في معلولاتها.

فيخرج بهذا الشرط قصد الإضرار للخلق عن كونه علة المنع في إتيان الساحر بالاستقراء والتتبع لهذه العلة في أحكام الشرع؛ لأنها ليست مطردة إطلاقًا مع الحكم السابق الكفر.

فقصد إضرار أحد الخلق؛ سواء الإضرار الحسي أو المعنوي, ليس سببًا يتأتى معه الكفر أبدًا، بخلاف قصد إضرار النبي صلى الله عليه وسلم, فإذن زوال قصد الإضرار عند الذهاب للساحر لا يجعل أبدًا من النشرة أمرًا مباحًا؛ لأنه بقي في النشرة السحرية ما يستدعي بقاء الحكم، فلا يتخلف عنها الحكم إلا إذا تخلف موجب الحكم، وهو فعل أو قول أو اعتقاد الكفر.

إن عند فك السحر بالسحر أمورًا توجب الكفر؛ كأن يعزم الساحر على الجن الموجود مع المسحور ليتركه، فيقسم بحق أبالسة الشياطين وملوك الجن بأن يخرج، أو يقوم باسترضائه عن طريق القرابين من ذبح وزار في طقوس غريبة شاذة, أو أن يقوم باستحضار شياطين لتبعد شياطين المسحور ويقدم لهم ما يشاءون من الأشياء التي ترضيهم، فيُتَقرب لهم بالذبح وإهانة المصحف بالنجاسات والزنا وشرب المسكرات، ويستخدمون لذلك طلاسم ورقى وتمائم موغلة في الكفر والشرك.

وتلك الرقى المنهي عنها هي التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له، فيأتي بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل، يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم. [1]

(1) ابن حجر, فتح الباري, (باب الرقى والمعوذات، ص/196 ,م/10)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت