فالمعزم الذي يستعين بالجن، ذكره القاضي وأبو الخطاب في جملة السحرة قال: فأما المعزم الذي يعزم على المصروع، ويزعم أنه يجمع الجن، وأنها تطيعه، والذي يحل السحر، فذكرهما أصحابنا من السحرة الذين ذكرنا حكمهم. وسئل ابن سيرين عن امرأة تعذبها السحرة، فقال رجل: أخط خطا عليها، وأغرز السكين عند مجمع الخط، وأقرأ عليها القرآن، فقال محمد: ما أعلم بقراءة القرآن بأسًا على حال، ولا أدري ما الخط والسكين .. وأما من يحل السحر؛ فإن كان بشيء من القرآن، أو شيء من الذكر والأقسام والكلام الذي لا بأس به، فلا بأس به، وإن كان بشيء من السحر، فقد توقف أحمد عنه، قال الأثرم: سمعت أبا عبدالله سئل عن رجل يزعم أنه يحل السحر؟ فقال: قد رخص فيه بعض الناس، قيل لأبي عبدالله: إنه يجعل في الطنجير ماء، ويغيب فيه، ويعمل كذا، فنفض يده كالمنكر وقال: ما أدري ما هذا، قيل له: فترى أن يؤتى مثل هذا يحل السحر؟ فقال: ما أدري ما هذا [1]
فمتى ما كان الذهاب للساحر لفك السحر يترتب عليه قيام الساحر بأمر كفري من قول أو عمل أو اعتقاد، فالحكم هو كفر الذاهب، كما ثبت ذلك بالأدلة، وكما اتضح لنا من بيان العلة.
الأضرار المترتبة على الاستعانة بالساحر لفك السحر
قال ابن تيمية: يكفي المسلم أن يعلم أن الله تعالى لم يحرم شيئًا إلا ومفسدته محضة أو غالبة، وأما ما كانت مصلحته محضة أو راجحة، فإن الله شرعه؛ إذ الرسل بعثت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، والسحر قرن بالشرك؛ قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 51 - 52] .
وفي الذهاب للسحرة مخالفة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتلهم، ناهيك عن الإقرار للسحر دون الإنكار، وقد أمرنا أن نكفر به وهذا لا يجوز، فكيف إن كان يطلبه، فهذا تعاون على الإثم والعدوان، وهو محرم، والله يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] .
قال شيخ الإسلام: (من حضر إلى مكان فيه منكر لم يستطع تغييره لم يجز له الحضور) ، وقال تعالى: {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140]
(1) ابن قدامة المقدسي, المغني (ج8 ص/154)