ص -86- ... المتعددة وصورها المختلفة، فقد كان هذا الإنسان الجاحد لإعادته مرة أخرى، نطفة ماء، ثم تحولت تلك النطفة إلى علقة أي دم جامد ثم تحولت إلى مضغة لحم، مخلقة، أي متبينة الخلق مصورة، وغير مخلقة لم يبين خلقها وصورتها، تلك أطوار النطفة التي تمر بها في رحلتها إلا أن تصبح جنينا يتحرك في ذلك القرار المكين {مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} قدرتنا على الخلق والإعادة، {وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ} من تلك النطف بعد تمام الخلق {مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} وهو وقت الوضع {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} أي أطفالا تتنسمون الحياة، مزودين بجميع الوسائل اللازمة لمواجهة الحياة الجديدة على هذه الأرض من رئة يتنفس بها، ويسمع، ويبصر وأيد يبطش بها، وأرجل يمضي بها. الخ ما هنالك من صفات وأعضاء وضعها الخالق العظيم في الإنسان مما يدل دلالة قطعية على أن هذا الإنسان قد أعد إعداده هذا عن علم وحكمة، وبعد خروجه لهذه الحياة رباه خالقه بنعمه إلى أن أصبح شخصا قويا، {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} .
{وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى} أي فيخترم الله بالوفاة في أجله المعلوم من يشاء، ويعمر من يعمر منكم حتى يبلغ من العمر أرذله، فيرتد عقله وتصوراته ومشاعره إلى حالة الطفولة الأولى، فيجهل بعد العلم، ويضعف بعد القوة {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} ، تمامًا مثل يوم خلق وبرز وجوده لهذه الحياة طفلا. فالآية الكريمة تخاطب المنكر للبعث، قائلة له: إن من كانت هذه قدرته في خلقك وإنشائك، في حياتك الأولى، وفي أطوارها المتعددة التي مرت بها أيعجزها إحياؤك بعد موتك، وإعادتك بعد فنائك ؟؟
كيف يكون ذلك وهو القادر على كل شيء وهو الخلاق